حامد العلي
بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة
الحمد لله الذي نزل القرآن ، وفرض الإيمان ، وبين أنه تصديق بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان ، أشهد أن لااله إلا هو ، وأن محمدا صلى الله عليه وسلم عبده ورسوله ، فرق بين أهل الإسلام وطاعة الرحمن ، وأهل التولي والكفران .
وبعد: فقد كنت اطلعت على كتاب بعنوان (أحكام التقرير بأحكام التكفير) ، فراعني ما فيه ، وأفزعني ما يحتويه ، فانه قرر مذهب المرجئة في الإيمان ، واستشهد لذلك بكلام أئمتهم ، ظانا أنه مطابق للاعتقاد الصحيح المنقول عن أهل السنة ، ثم رأيت رسالة صغيرة في نقض هذا الكتاب ، بعنوان ( براءة أهل السنة ) وفق فيها الكاتب وقد سمى نفسه ( أبو عبد الرحمن السبيعي ) أيما توفيق ، وأجاد غاية الإجادة في رد ما في كتاب (أحكام التقرير ) من الباطل وفرق بينه وبين الحق أحسن تفريق ، فاللهم اجزه عن الإسلام والمسلمين وأهل السنة المتبعين خير الجزاء آمين 0
ثم اطلعت على كتاب آخر بعنوان ( الحكم بغير ما أنزل الله وأصول التكفير ) لمؤلفه خالد العنبري ، فوجدته علا درجة عن سابقه ( وهو كتاب أحكام التقرير ) ، غير أنه أخطأ الصواب في مواضع ومال عن جانبه ، منها أنه قرر أن كفر العمل لا يخرج أبدا عن الملة الإسلامية ، إلا إذا دل على الجحود والتكذيب أو الاستخفاف والاستهانة والعناد وعدم الانقياد .
فهو وان نجا من قول من يرى الكفر العملي لا يكون منه أبدا كفر أكبر حتى يقارنه الجحود والتكذيب ، كما في الكتاب الأول ، وهو مذهب المرجئة بعينه .
لكنه اشترط شروطا أربعة ليكون الكفر العملي كفرا أكبر ، وعطف بعضها على بعض عطف النسق ، وهي الاستخفاف والاستهانة والعناد وعدم الانقياد ، فكأنه يقول لا يكفر من أتى بناقض عملي إلا إذا قام بقلبه أربعة مجتمعه هي المذكورة ، ونسب هذا إلى أهل السنة ، وإذا قلنا قصد التأكيد بعطف مترادفات ، صار مذهبه بالاختصار أنه يرى أن الكفر العملي لا يكون أبدا كفرا أكبر، حتى يقارنه أمران لابد من اجتماعهما في القلب ( الاستخفاف والعناد ) والعناد هو الاستكبار ، فاقتضى هذا أن من يسجد للأصنام طمعا في المال ويطوف بالناس حول الأضرحة ويذبح لها ويسجد لها ، راغبا في عرض الدنيا ، غير مستخف ( من الاستخفاف ) ولا مستكبر ، أنه لا يكفر على مذهبه وبمقتضى شروطه .
وأن من سب دين الإسلام واستهزأ بشعائره لعوض يطلبه من متاع الدنيا ، غير مستخف ، ولا مستكبر لا يكون كافرا أيضا على هذا الرأي ، وقد صرح الكاتب بهذا فأخرج من يفعل الكفر العملي الأكبر الناقض للإيمان ـ لا عن استكبار لكن برغبة ــ عن أن يكون كافرا ، وهو خلاف اعتقاد أهل السنة .
وقد غلط أيضا من جهة أنه يحكي هذه الشروط وكأنها مذهب أهل السنة الذي استقر إجماعهم عليه ، أفلا ذكر من كفر منهم تارك صلاة واحدة حتى يخرج وقتها كإسحاق بن راهويه وغيره ، وأنهم لم يشترطوا أن يكون ذلك عن استخفاف واستكبار .
وأيضا ، فياللعجب .. أولم يعلم أن الذين يعبدون الاضرحة والقبور في قلوبهم من تعظيم الدين والرسول صلى الله عليه وسلم ما يتنافى مع العناد والاستخفاف ، غير أنهم مشركون كفار لغلوهم في الصالحين حتى عبدوهم مع الله كما قال تعالى ( ومايؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون ) ، فأين الاستخفاف والعناد هنا؟!
فمن أين ــ ليت شعري ــ يطلق قيودا ويشترط شروطا ما أنزل الله بها من سلطان ، فان كان لابد فاعلا فهلا ذكر الخلاف ، ولم يجزم أنه اعتقاد أهل السنة مجتمعين ، وان كانوا ــ في التحقيق ــ لما قاله مفارقين .
فان قيل فلعله يرى أنه لا يسب الرسول صلى الله عليه وسلم راغب في المال ، أو يسجد للأصنام طامع في عرض الدنيا ونحو ذلك إلا من هو من أهل الاستخفاف ، وان كان قد يجمع مع ذلك إيثار متاع دنيا أو شهوة من الشهوات ، فاكتفى بذكر هذا الوصف ( الاستخفاف ) ليكون من دلالة التلازم فيحتوى ما أشرت إليه .
فالجواب أنه لم يكتف بهذا الشرط حتى ضم إليه الاستكبار ، فمن هنا أدخل على اعتقاد أهل السنة ــ حاكيا عنهم مذهبهم ــ أمورا جعلها في سياق الشروط ، بلا دليل ولابرهان .
وأيضا فلنا أن نسأل كيف يعرف مافي قلب الساجد للصنم الساب للرسول المستهزئ بالدين وأمثالهم ، هل هو معاند ومستخف أو لم يقم بقلبه شيء من ذلك ، فعلى رأي الكاتب لا نحكم بكفر أحد حتى يعلن لنا بلسانه ويبين ما في قلبه ، وإن سب ديننا ونبينا وسجد للصلبان والأصنام وألقى المصحف في الحشوش .
وإلا … فما معنى اشتراط الشروط إذا كانت لاسبيل إلى معرفتها وهي في طي علم الغيوب ، وإذا كان المؤلف لا يحكم على من ينقض إيمانه بالنواقض العملية إلا إذا صرح بلسانه أنه جامع بين أمرين الاستخفاف والعناد ، فمذهب المرجئة القديم خير من هذا القول الرديء .