تأليف
الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب الشريف
الطبعة الأولى
1423 للهجرة - 2002 للميلاد
جميع حقوق النشر و التأليف محفوظة للمؤلف
للحصول على نسخه من الكتاب
تقديم
الحمد لله و كفى و صلاةً و سلامًا على عباده الذين اصطفى ، و بعد:
فإنّ الله تعالى أبى العصمةَ إلا لكتابه الذي ( لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ و لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ) ، و لنبيّه صلى الله عليه و سلّم في تبليغ الرسالة ، و ذلك مقتضى حفظ دينه ، و إقامة حجّته على خلقه .
و اصطفى تعالى لحمل العلم من كلّ خلفٍ عدولَه و خصّهم بالفهم و الاستنباط السليم ، فسخّروا ما آتاهم الله من فضله في إقامة الحجّة و بيان المحجّة ، و استشعروا عِظَم واجب التبليغ و التوقيع عن ربّ العالمين فقاموا به خيرَ قيامٍ ، تحمُّلًا و أداءً ، و كان حقًّا على من عرَف فضلهم ، و خبرَ سبقهم أن يتقرّب إلى الله بحبّهم و الذبّ عن أعراضهم ، كيفَ و هم أهل الذكر الذين أُمرنا بسؤالهم و طاعتهم ، كما في قوله تعالى: ( وَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ ) [ النحل: 43 ] .
و ما ابتُليَ عالمٌ بجاهلٍ بقدرهِ ، طاعنٍ في دينه أو علمه ، إلاّ قيّض الله له من ينافح عنه و يذبّ عن عِرضه ، و هذا واجب كفائيٌّ في أقلِّ أحواله .
و إن فرَّطَ في القيام بواجب الذبّ عن العلماء أقوامٌ ، فقد أفرَط آخرون في هذا الباب ، فجانبوا الصواب ، و صاروا إلى الممنوع ؛ بمجاوزةِ المشروع ، حيث غلَوا في علمائهم ، و تعصبّوا لآرائهم و أقوالهم ، و نصّبوا أنفسهم للتبرير و الدفاع عن زلاّتهم ، و هذا من أشنع أنواع التعصّب ، في التقليد و التمذهُب .
و صار أهل الحقّ - و هم أوسط الناس و أعدلهم - إلى إعمال الدليل ، و التماس العذر للعالم في زلّته ، و التأدّب في ردّ مقالته و عَدَم المبالغة في تعظيم العالِم ( المستَفتَى و غيرِه ) بأخذ كلّ ما يصدُر عنه ، أو اعتقاده إصابَتَه الحقَّ في كلّ ما يُفتي فيه أو يُخبِر به ، لأنَّه من بني البَشر ، ( و كلُّ بني آدَم خطّاء ، و خير الخطائين التوّابون ) كما أخبر صلى الله عليه وسلم [ فيما رواه الترمذي و ابن ماجة و أحمد بإسنادٍ حسن ] ، و العالِم في هذا كغيره ؛ معرَّضٌٌٌ للخطأ ، و الوَهمِ ، و النسيان .
و لخطورة زلات العلماء عليهم و على الأتباع ، رأيت أن أضع بين يدي القارئ الكريم جملة مسائل ذات صلة بموضوعها ، مرتّبةً في مقاصد على النحو التالي:
المقصد الأول
في بيان المقصود بزلّة العالم
أقْدَمُ ذكر لزلات العلماء - فيما وقفت عليه - جاء في سنن أبي داود ، حيث روى عن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الغلوطات [ رواه أبو داود في سننه ( 3171 ) بإسناد ضعيف ] .
قال الخطابي: الأغلوطات جمع أغلوطة: أفعولة من الغلط كالأحدوثة و الأعجوبة ... يقال: مسألة غَلوطٌ إذا كان يُغلَط فيها ، كما يقال: شاة حلوب ، و فرس رسوب ، فإذا جعلتها اسمًا زدت فيها الهاء ، فقلتَ: غلوطة كما يقال حلوبة و ركوبة ... قال الأوزاعي: و هي شرار المسائل , و المعنى أنه نهى أن يعترض العلماء بصعاب المسائل التي يكثر فيها الغلط ليستزلوا بها , و يسقط رأيهم فيها . [ عون المعبود: 10 / 64 ] .
كما ذُكِرَت زلات العلماء في معرِض التحذير منها فيما روي عن عدد من الصحابة ، منهم عمر بن الخطّاب ، و معاذ بن جبل ، رضي الله عنهما ، و سيأتي ذكرُها لاحقًا إن شاء الله .
و أصل الزلّة و الزَّلَل في اللغة من زلَّ يزِلُّ ، إذا انحَرفَ عن مساره ، أو نَزَل عن مستواه .
قال لبيد بن ربيعة [ كما في معجم البلدان: 4 / 108 و 224 ] :
لو يقومُ الفِيلُ أو فَََيَّالُهُ *** زَلَّ عن مِثْلِ مَقَامي و زَحَلْ
أي: لم يبلغ مكانتي بل انحطَّ عنها .
و عليه فبإمكاننا تحديد المراد من زلّة العالم بأنّه: خطؤه و مجانبته الصواب باجتهاد في آحاد المسائل ، مع سلامة أصوله في الاستدلال و التقعيد .
و كأنَّ المسألة التي زلَّ فيها لا تناسب مكانته في العلم و التحقيق و الوَرَع ، بل هي دونها ، أو مائلة عن السبيل التي ينتهجها عادةً .
المقصد الثاني
في التحذير من زلات العلماء وقوعًا فيها و متابعةً عليها
فإذا كان الآمر كذلك فلا غرابة في أن يبالغ المحققون في التحذير من متابعة العالم في زلاّته ، وممّن أجاد في هذا الباب و أفاد الحافظ أبو عمر بن عبد البر حيث أفرد فصلًا من كتابه ( الجامع في بيان العلم و فضله ) في خطر زلة العالم ، و نقله عنه ابن القيم [ في إعلام الموقعين: 2/173-175 ] ، و الشاطبي [ في الموافقات: 4/168- 172 ] .