قال ابن القيّم: ( العالِم يزِلُّ و لا بُدَّ ، إذ لَيسَ بمعصومٍ ، فلا يجوز قبول كلِّ ما يقوله ، و يُنزَّل قوله منزلة قول المعصوم ، فهذا الذي ذمَّه كلّ عالِم على وجه الأرض ، و حرَّموه ، و ذمُّوا أهلَه ) [ إعلام الموقعين: 2 / 173 ] .
و قال الإمام الشاطبي عقبَ إيراد كلام ابن عبد البر في خطَر زلّة العالم:( لابد من النظر في أمور تبنى على هذا الأصل:
منها: أن زلة العالم لا يصح اعتمادها من جهة ، و لا الأخذ بها تقليدًا له ، و ذلك لأنها موضوعة على المخالفة للشرع ، و لذلك عُدَّت زلةً ، و إلا فلو كانت معتدًا بها لم يُجعل لها هذه الرتبة ، و لا نُسِب إلى صاحبها الزلل فيها ، كما أنه لا ينبغي أن يُنسب صاحبها إلى التقصير ، و لا أن يُشنَّعَ عليه بها ، و لا يُنتَقَصَ من أجلها ، أو يعتقد فيه الإقدام على المخالفة بحتًا ، فإن هذا كله خلاف ما تقضي رتبته في الدين ...
و منها: أنه لا يصح اعتمادها خلافًا في المسائل الشرعية ، لأنها لم تصدر في الحقيقة عن اجتهاد ، و لا هي من مسائل الاجتهاد ، و إن حصل من صاحبها اجتهاد فهو لم يصادف فيه محلًا ، فصارت في نسبتها إلى الشرع كأقوال غير المجتهد , و إنما يُعد في الخلاف الأقوال الصادرة عن أدلة معتبرة في الشريعة ، كانت مما يقوى أو يضعف ، و أما إذا صدرت عن مجرد خفاء الدليل أو عدم مصادفته فلا ، فلذلك لا يصح أن يعتد بها في الخلاف ، كما لم يعتد السلف الصالح بالخلاف في مسألة ربا الفضل ، و المتعة ، و محاشي النساء ، و أشباهها من المسائل التي خفيت فيها الأدلة على من خالف فيها ) [ الموافقات ، للشاطبي: 4/170 و ما بعدها ] .
و قد رويَ أنّ رسول الله صلى الله عليه و سلم: ( لا يكن أحدكم إمعةً يقول: أنا مع الناس إن أحسن الناس أحسنت و إن أساءوا أسأت ، و لكن وطِّنوا أنفسكم على أن تحسنوا إن أحسن الناس ، و إن أساءوا أن تجتنبوا إساءتهم ) [ الحديث في بعض السنن ، و فيه مقال ] .
و رُويَ عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قوله: ( ثلاث يهدمن الدين زلة العالم ، و جدال المنافق بالقرآن ، و أئمة مضلون ) [ رواه الدارمي في سننه عن زياد بن حدير ، و أورده ابن تيميّة في الفتاوى الكبرى: 6 / 95 ، و صححه الألباني في مشكاة المصابيح بتحقيقه: 1 / 89 ، و روي نحوه عن أبي الدرداء رضي الله عنه ، انظر: الموافقات ، للشاطبي: 4 / 17 ، 18 و 4 / 168 ، و قد وردت في هذا المعنى أخبار مرفوعة ليس منها شيئ يصحّ ، انظر بعضها في: مجمع الزوائد: 1 / 186 ] .
و في مسند أبي حنيفة [ 1 / 68 ] أنَّ رجلا قال لمعاذ حين حضره الموت أوصني ، فقال: ( اتق زلة العالم ) ، و في بعض الروايات أنّ معاذًا قال ذلك للحارث بن عميرة ، و في إسناده شهر بن شوحب ، و فيه كلام [ انظر: مجمع الزوائد: 2 / 313 ] .
و رويَ عن ابن عباس رضي الله عنهما قوله: ( ويل للأتباع من عثرات العالم ) . قيل: و كيف ذاك ؟ قال: ( يقول العالم شيئًا برأيه ثم يجد من هو أعلم منه برسول الله صلى الله عليه وسلم فيترك قوله ذلك ، ثم يمضي الاتباع ) [ الموافقات ، للشاطبي: 3 / 318 و الفتاوى الكبرى ، لابن تيميّة: 6 / 96 ] .
و عند الدارمي عن محمد بن واسع قال: كان مسلم بن يسار يقول: ( إياكم و المراء فإنها ساعة جهل العالم و بها يبتغي الشيطان زلته ) .
و قال الفُضيل بن عياض رحمه الله: ( إني لأرحم ثلاثة: عزيز قوم ذلّ ، و غني قوم افتقر ، و عالمًا تلعب به الدنيا ) .
و قال الإمام الذهبي رحمه الله: ( من يتتبّع رُخَص المذاهِب ، و زلاّت المجتهدين فقد رقَّ دِينه ) [ سير أعلام النبلاء: 8 / 81 ] .
و حكى الزركشي أن القاضي المالكي إسماعيل بن إسحاق الأزدي رحمه الله ، قال: ( دخلت على المعتضد ، فَدَفَع إليَّ كتابًا نظرت فيه ، و قد جمع فيه الرخص من زلل العلماء ، و ما احتج به كل منهم ، فقلت: إن مصنف هذا زنديق . فقال: ألم تصح هذه الأحاديث ؟ قلت: الأحاديث على ما رُوِيَت ، و لكن من أباح المسكر لم يبح المتعة ، و من أباح المتعة لم يبح المسكر ، و ما من عالم إلا و له زلّة ، و من جمع زلل العلماء ، ثم أخذ بها ذهب دينه ، فأمَر المعتضد بإحراق ذلك الكتاب ) [ البحر المحيط: 6 / 326 ] .
و قد أحسن مَن قال:
أيُّها العالِم إيّاك الزَلَل *** و احذَرِ الهفوةَ فالخَطبُ جَلَلْ
هفوةُ العالِمِ مُستَعظَمَةٌ *** إن هَفَا يومًا أصبَحَ في الخَلْقِ مَثَلْ
إن تكُن عندَكَ مُستَحقَرةٌ *** فهيَ عِندَ اللهِ و الناسِ جَبَلْ
أنتَ مِلحُ الأرضِ ما يُصلحُهُ *** إن بَدا فيهِ فَسادٌ أو خَلَلْ
المقصد الثالث
في بيان مكمن الخطورة في زلات العلماء
كثيرًا ما يُقال: ما بالكم تحذّرون من زلّة العالم مع كونه لا يخطئ إلا عن اجتهاد ، يستحق عليه الأجر ، و هو في جميع أحواله بين الأجر و الأجرين .