فهرس الكتاب

الصفحة 13358 من 27345

تفسير سورة البروج (3)

الجمعة 4 جمادى الأولى 1397 / 22 نيسان 1977

العلامة محمود مشّوح

(أبو طريف)

إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون .. أما بعد يا أيها الإخوة المؤمنون:

سنتابع اليوم إن شاء الله تعالى حديثنا مع سورة البروج ، وكان من فضل الله تعالى أننا وقفنا في الجمعة الماضية عند جوهر الصراع بين المؤمنين والكافرين ، حسبما أدرجه الله تعالى في آية واحدة من هذه السورة الكريمة ، وما مضى فقد مضى وليس في نيتي أبدًا أن أعود إلى التفصيل مما نفضت يدي منه في الجمعة الماضية ولكن ذكرى .

إن المسألة التي أدرجتها السورة الكريمة والتي منّ الله علينا بالحديث عنها في الجمعة الماضية بإسهاب وإطالة مسألة ذات أهمية خاصة ، وهي في الوقت نفسه ذات أهمية بالغة وما ينفع شيئًا أن تغطى الشمس بطرف الرداء ، إنه قد آن أن يتعلم الناس كل الناس أنصارًا وخصومًا ، بل قد آن للكثير أن يعلموا أن ما حكاه الله عنهم فهو الأصل لا ريب فيه ، وأن ما كشفه من خبيئتهم فهو الحق لا مراء فيه ، وأنه مهما يحاول أعداء الله جل وعلا أن يُلبسوا أنفسهم من اللباس مما يجتذب الألباب ، ويتبعوا العقول ويستهوي الأفئدة ، فإن ربنا جل وعلا قد أوقفنا على الحقيقة عارية مجردة من كل بهرجة لا يعلق بها زيف ولا ينال منها التضليل .

إن المعركة الخالدة كان يجب أن لا تغيب عن بال أحد هي بين الإيمان من حيث هو إيمان ، والكفر من حيث هو كفر . وأي لباس بعد ذلك يلبسه الكفر فلن يخفى على المؤمنين إن شاء الله تعالى ، وذلك يتطلب على صعيد النظر والاعتقاد كما يتطلب على صعيد السلوك والعمل والحركة جميعًا رفض محاولات التزييف وتمييع المواقف من قبل الأنصار والخصوم على حدٍ سواء ، إن الله تعالى قد حكى في هذه السورة جوهر المسألة فقال تعالى ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) ولقد رأينا من خلال تاريخنا رايات تُرفع وشعارات تُقدم ، وأشنع ما في الأمر أن هذه الرايات والشعارات أنهم يريدون أن يدخلوا على المؤمنين من أبواب الإيمان والإسلام ، وفي السر غير المعلن ، ولكن نأمل إن شاء الله تعالى أن يكون قد استقر في أذهان المسلمين بصورة جلية أن النقيضين لا يجتمعان ، وأن الليل والنهار لا يجتمعان ، وأن السواد والبياض لا يجتمعان ، فإما إيمان خالص لله تعالى على النحو الذي شرحناه من قبل ، وإما شيء آخر وراء الإيمان ولكنه في كل الأحوال لا يمتّ إلى الإيمان بصلة .

وهذا شيء أحسب أنني قد فرغت منه في الجمعة الماضية وكشفت الأمر على نحو يكفي إن شاء الله ، إلا أنني لا أحب أن أجاوز هذا الموطن من السورة قبل أن أجبر نفسي وأجبركم على الوقوف مرة أخرى عند هذه الآية بالذات .

فيما مضى قلت لكم هنا إنه ينبغي أن لا يغيب عنا الهدف الذي نسعى إليه من خلال هذه الأحاديث فما نحن بمفسرين ، ولو كنا كذلك لاعتمدنا في أحاديثنا منهجًا آخر .

وينبغي أن لا ننسى أن القرآن الكريم هو الذي يقود المعركة في الدعوة الإسلامية ، وهل يستطيع أحد أن ينسى أن هذه الآيات البينات كانت هي السلاح الأول والأخير في المعركة . وحين يكون الأمر كذلك فسيكون حقًا ووفاءً للقرآن ولدعوة القرآن أن لا تهمل اللمحات حتى البعيدة منها ، وأن يحاول الإنسان وهو يقرأ القرآن أن يتصور لوحة الأحداث أمام عينيه كي لا يزيغ منها شيء ، وإن لم يفعل فسوف يُصاب بعمى الألوان ، وسوف يصاب بقصر النظر .

إن القرآن بالفعل كان ينزل ليكشف للمسلمين مواطئ المهمة في مزدحم الحوادث ومعترك النضال ، ولكن ينبغي أن لا نغفل عن مهمة مزدوجة للآيات الكريمة ، إنه كان يهدم ويبني في آن معًا ، كان يتجه إلى الكافرين ، وكان يتجه إلى المؤمنين في آن واحد . فهو يقود المعركة المزدوجة التي لا يجوز معها أن يُغفل فيها جانبا الصراع ، وإذا نظرنا من هذا المبدأ في الآية الكريمة فسنجد أنفسنا مضطرين إلى أن ننتبه حتى إلى الألفاظ المفردة لغرض أن نتعرف على الانطباعات التي تتركها هذه الألفاظ في مشاعر الطرفين جميعًا .

إن المسلمين في المرحلة التي نتحدث عنها قلة قليلة ، ولكنها قد تجاوزت الخطر ، أصبح لديها حجم مقبول من القضايا والقواعد والأسس التي تجعل السيطرة عليها أمرًا مستحيلًا ، ولكن هذا شيء ، وضمان الطريق حتى النهاية شيء آخر ، ويجب أن نذكر ولا ننسى أن القرآن والإيمان والإسلام حقائق تتمثل في بشر ، وليست أشياء تنزل من السماء جاهزة لتحل محل أشياء أخرى موجودة على الأرض ، ولكنها قضايا وحقائق تنزل من السماء على أهل الأرض ليباشر أهل الأرض تغييرًا أساسيًا وحاسمًا في داخل النفوس لكي يكونوا على استعداد لمواجهة المشقات والصعوبات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت