فهرس الكتاب

الصفحة 2799 من 27345

شعر: محمد إقبال

ترجمة: أبو الحسن الندوي

خصّص محمد إقبال قصيدة من أبدع قصائده للحديث مع الأمة العربية، ليسجّل فيها فضلها وسبقها، في حمل الرسالة الإسلامية، والأخذ بيد الإنسانية، وافتتاحها لتاريخ جديد وفجر سعيد، وسرعان ما ينتقل إلى موضوعه الحبيب الأثير، فيذكر الشخصية الحبيبة، التي كانت على يدها نهضة هذه الأمة وسعادتها، بل نهضة الإنسانية وسعادتها، فيرسل، على عادته، النفس على سجيتها، ويعطي القلب والعاطفة زمامه، ويسترسل في الحديث، فيقول:

"أيتها الأمة العربية، التي كتب الله لباديتها وصحرائها الخلود."

من الذي سمع العالم منه نداء (لا قيصر ولا كسرى) لأول مرة في التاريخ (1) ؟

ومن الذي أكرمه الله بالسبق إلى قراءة القرآن؟

من الذي أطلعه الله على سر التوحيد، فنادى بأعلى صوته: (لا إله إلا الله) ؟

وما هي البقعة التي اشتعل فيها هذا السراج الذي أضاء به العالم؟

هل العلم والحكمة إلا فتات مائدتكم؟

وهل قوله تعالى: (فأصبحتم بنعمته إخوانا) إلا وصف حالكم؟

إن نفس ذلك الأمّي أعاد على هذه الصحراء الخصب والنموّ، فأنبتت الأزهار والرياحين.

إنّ الحرية نشأت في أحضانه.

وإن حاضر الشعوب ليس إلا وليد أمسه.

إن الجسد البشري كان بلا قلب وروح، فأعطاه القلب والروح، وكشف اللثام عن جمال وجهه.

إنه حطّم كل صنم قديم.

وأفاض الحياة على غصن ذاوٍ من أغصان العلوم والمدنية.

وأنجب أبطالًا وقادة مؤمنين.

أقاموا المعارك الفاصلة بين الحق والباطل.

فتارة يدوّي الأذان في ساحة الحرب.

وتارة تتحلّى الآذان بقراءة (الصافات) (2) بين صليل السيوف وصهيل الخيول.

إن سيف البطل المغوار، كصلاح الدين الأيوبي.

ونظرة الزاهد الأوّاب، كأبي يزيد البسطامي.

مفتاحان لكنوز الدنيا والآخرة.

إن العقل والقلب يجتمعان تحت لوائه.

وإن ذكر جلال الدين الرومي، وفخر الدين الرازي يلتجئان تحت ردائه.

إن العلم، والحكمة، والشرع، والدين، والملك، والإدارة، ولوعة القلوب مقتبسة من نوره.

وليست (الحمراء) في غرناطة، وقصر التاج في أكره (3) ، اللذان خضع لجمالهما، وجلالهما كبار الفنانين الناقدين، وعظماء العبّاد الزاهدين، ليس إلا صدقة من صدقات بعثته، ومظهرًا من مظاهر عبقرية أمته.

إن بعض ظاهره تجلّى في سموّ ذوق أمته، وسلامة تفكيرها، وجمال فنّها.

أما باطنه، فقد تقاصر عن إدراكه كبار العارفين.

لقد كان الإنسان حفنة من تراب، وقبضة من أشلاء وعظام، لا يدري ما الكتاب، ولا الإيمان، فعرّفه بالعلم والإيمان، وأذاقه لذة العبادة والإحسان، فجزاه الله عن الإنسانية أفضل الجزاء.

يذكّر إقبال الأمة العربية عهدها القديم قبل البعثة، حين كان نظام العرب فوضى، يعيشون كالبهائم التي لا همّ لها في الحياة إلا الأكل والشرب، وكان مثلهم كمثل السيف المفلول يتراءى للناظر لامعًا قاطعًا، ولكن ليست له ظُبة فهو لا ينفع ولا ينتفع به، فيقول الشاعر:

"أيها العرب (4) قد منّ الله عليكم، إذ جعلكم مثل السيف البتّار أو أحدّ منه."

وكنتم ترعون الإبل في الصحراء، تركبون عليها، وتظعنون بها.

ثم انعكست الآية، فسخر الله لكم المقادير، فضلًا عن الإبل، فأصبحتم من مالكي أعنّتها.

فلو أقسمتم على الله لأبرّكم.

وهنالك دوّت تكبيراتكم وصلواتكم.

وزمزمت جلبة حروبكم ومغازيكم، بين الخافقين.

فارتجّ بها ما بين الشرق والغرب.

فما أحسن تلك المغامرات.

وما أجمل تلك الغزوات"."

وبعدما يمدحهم الشاعر، ويذكر حماستهم الإسلامية، وغضبتهم المضرية في سبيل الله ورسوله، ويُبدي فرحه وسروره، يقف برهة، ويملكه الحزن، والتألم بما يرى من خمود العرب، بعد النشاط، والإحجام بعد الإقدام، والفُرقة بعد الوحدة، والعبودية بعد السيادة، والأتّباع بعد القيادة، ويُقبل إليهم مخاطبًا معاتبًا، ويقول:

"أسفًا على هذا الخمود والجمود."

أيها العرب! ألا ترون إلى الأمم الأخرى، كيف تقدمت وسبقت؟

أما أنتم، فما قدرتم قدر هذه الصحراء التي نشأتم فيها.

وهذه الحرية التي ورثتموها.

كنتم أمة واحدة، أمة الإسلام، فصرتم اليوم أممًا.

وكنتم حزبًا واحدًا، حزب الله، فأصبحتم أحزابًا.

لقد فرّقتم جمعكم، ومزقتم شملكم، وانقسمتم على أنفسكم"."

"اعلموا أيها السادة! أن من ثار على شخصيته وكرامته."

وفقد الثقة بنفسه.

مات ومُحي من الوجود.

ومن فرّ من معسكره وانحاز إلى صفوف الأعداء.

وتطفّل على مائدتهم.

عوقب بالهوان والشقاء، والطرد والجلاء.

ألا إنه لم يجن عدو على عدو مثل ما جنيتم أنتم على أنفسكم.

ولم يسئ أحد إساءتكم إلى أمتكم.

إنكم آذيتم روح رسول الله صلى الله عليه وسلم بصنيعكم

فهي متألمة متوجعة شاكية مستغيثة"."

الشاعر عارف بمكائد الإفرنج، وما لديهم من سهام مسمومة، وحبائل منصوبة، وهو شديد المعرفة بهم، قد عاش فيهم ودرسهم وخبرهم، فهو يتألم، إذ يرى في الأمة العربية من يُحسن الظن بهم، ويعتمد عليهم في بناء صرح الحياة، وفض المشكلات، فيرسل صيحته وينذرهم من المصير المظلم المؤلم، ويقول:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت