سليمان بن إبراهيم الرشودي * 30/9/1424
إذا رُئِيَ هلال رمضان في أي بلد لزم المسلمين - جميعًا- أن يصوموا، وإذا رُئِيَ هلال شوال لزمهم أن يفطروا.
مما يثير الأسى والحزن في نفس المسلم أنه في كل عام عند دخول شهر رمضان أو حلول عيد الفطر يبرز تفرق المسلمين وتشتتهم عند بداية صومهم ثم عند فطرهم، حتى وإن تقاربت بلادهم جغرافيًا. والصوم عبادة وليس سياسة ولكن رغم ذلك فإن أنظمة الحكم المتمسكة باختلافها وتفرقها فيما بينها قد فرضت هذا الاختلاف والتفرق على شعوبها حتى في عباداتهم وعلماء الأمة في كل قطر لم يحركوا ساكنًا، وكأن الأمر لا يعنيهم؛ بل سايروا هذا الواقع وفقًا للحدود السياسية التي حددتها ورسمتها الدول الاستعمارية تطبيقًا لاتفاقية (سايكس بيكو) المشؤومة وأخضعت الأحكام الشرعية لدخول شهر رمضان ولعيد الفطر طبقًا للحدود السياسية المرسومة حسب هذه الاتفاقية الاستعمارية.
وإليك - أخي المسلم- البيان والبرهان فيما يلي:
أولًا: أن وقت دخول شهر رمضان أو شهر شوال أو غيرهما من الشهور العربية التي بنيت عليها الأحكام الشرعية قد بينها القرآن الكريم وحددتها السنة النبوية الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم-، والصوم والفطر والحج إنما هي عبادات لها أحكامها الشرعية التي إنما تؤخذ من النصوص الشرعية من الكتاب والسنة ونبني عليها فحسب. فقد ورد السؤال وجوابه في آية واحدة من سورة البقرة حيث يقول الله - سبحانه -: ( يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس والحج ) آية (189) .
وروى ابن كثير في تفسيره عن ابن عمر - رضي الله عنهما - قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"جعل الله الأهلة مواقيت للناس فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فعدوا ثلاثين يوميًا" [الحديث صحيح الإسناد] أهـ. قال شيخنا عبد العزيز بن باز - رحمه الله -: هذا الحديث دليلٌ على أن المعتبر في العبادات هو رؤية الهلال وأن الحساب لا يعول عليه في ذلك وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية إجماع العلماء على ذلك . أهـ. وفي الحديث الآخر الذي رواه البخاري ومسلم في صحيحيهما عن ابن عمر"لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه فإن غم عليكم فاقدروا له"وفي رواية"فأكملوا العدة ثلاثين"وقال ابن رشد - رحمه الله - في كتابه العظيم (بداية المجتهد ونهاية المقتصد) :"فإن العلماء أجمعوا على أن الشهر العربي يكون تسعًا وعشرين ويكون ثلاثين وعلى أن الاعتبار في تحديد شهر رمضان إنما هو الرؤية لقوله عليه الصلاة والسلام:"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته"أهـ."
ثانيًا: السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل لكل بلد رؤيته فلا يصوم أهل كل بلد أو يفطرون إلا إذا رُئِيَ في بلدهم فحسب، أم أنه إذا ثبتت رؤية الهلال شرعًا في بلد ما وجب الصيام على المسلمين جميعًا في مشارق الأرض ومغاربها؟ وهل حكم الصوم والإفطار في كل بلد أو إقليم مرتبط شرعًا بالحدود السياسية لذلك البلد أو الإقليم الذي رُئِيَ فيه الهلال من حيث وجوب الصوم أو الإفطار من عدمه. أم ماذا؟
هذا سؤال مهم وهو الذي يخطئ فيه - كل سنة - كثير من الناس أفرادًا وجماعات، ويبدو لي أن علماء وفقهاء المسلمين في هذا الزمان قد قصروا كثيرًا في هذا المجال، إذ لم يبينوا للناس أن الحكم الشرعي للصوم والفطر لا علاقة له بالنظام السياسي في كل بلد، كما أنه لا علاقة له بالحدود السياسية حتى يجنبوا المسلمين من الوقوع في هذا الخطأ الفاحش، حيث تجد على جانبي الحدود السياسية مسلمين بعضهم صائم أول يوم من رمضان وبعضهم مفطر تبعًا لأنظمتهم السياسية التي ينتمون إليها مع أن مساكنهم بجوار بعضها أو يفصل بينها بضع مئات من الأمتار.
وهذا - كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية- ليس من الإسلام في شيء وذلك للأسباب التالية:
أن حكم الصوم والفطر متعلق بوقت دخول شهر رمضان أو خروجه، وهذا إنما يعتبر - شرعًا- برؤية الهلال من جهة الغرب في بداية كل شهر - كما تقدم-، ولا يلتفت في ذلك إلى حساب الفلكيين أو التقاويم المبنية على حسابهم؛ لأن الصيام عبادة والعبادات أحكامها توقيفية لا تتلقى إلا من المشرع، وهو رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي قال:"لا تصوموا حتى تروا الهلال ولا تفطروا حتى تروه".
وأما حكم رؤية الهلال في بلد ما وهل يلزم المسلمين جميعًا في البلاد والأقاليم الأخرى الصوم والفطر بناءً على هذه الرؤية أم يكون خاصًا بأهل ذلك البلد؟ فالصحيح الذي لا يسع المسلمين العمل بسواه اليوم هو أنه إذا ثبتت رؤية هلال رمضان شرعًا في أي مكان من الأرض وجب على المسلمين الذين بلغهم خبر رؤية الهلال جميعًا أن يصوموا، وإذا ثبتت رؤية هلال شوال وجب عليهم جميعًا أن يفطروا وذلك لما يلي: