يتناول الدرس معنى الإسراف والأسباب التي تدعو إليه، وما هي آثاره على المسرف نفسه، وآثاره على العمل الإسلامي، ومظاهر الإسراف، ثم ما هو العلاج لهذا المرض .
معنى الإسراف:
لغة: ما أنفق من غير طاعة..أو التبذير، ومجاوزة الحد .
اصطلاحا: هو مجاوزة حد الاعتدال في الطعام، والشراب، واللباس، والسكنى، ونحو ذلك من الغرائز الكامنة في النفس البشرية.
أسباب الإسراف:
1-النشأة الأولى: فقد ينشأ المسلم في أسرة حالها الإسراف والبذخ، فما يكون منه سوى الاقتداء والتأسي، إلا من رحم الله، على حد قول القائل:
وينشأ ناشئ الفتيان منا على ما كان عوّده أبوه
ولعلنا بهذا ندرك شيئا من أسرار دعوة الإسلام وتأكيده على ضرورة اتصاف الزوجين، والتزامهما بشرع الله وهديه:
قال تعالى: وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ [32] { [سورة النور] .} وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ ءَايَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ [221] [سورة البقرة] .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِأَرْبَعٍ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ] رواه البخاري ومسلم وأبوداود وابن ماجه والنسائي والدارمي وأحمد.
2-السعة بعد الضيق: ذلك أن كثيرًا من الناس قد يعيشون في ضيق، أو حرمان، أو شدة، أو عسر، فإذا هم صابرون محتسبون، بل وماضون في طريقهم إلى ربهم، وقد يحدث أن تتغير الموازين، وأن تتبدل الأحوال، فتكون السعة بعد الضيق، أو اليسر بعد العسر، وحينئذ يصعب على هذا الصنف من الناس التوسط أو الاعتدال؛ فينقلب على النقيض تمامًا، فيكون الإسراف أو التبذير.
ولعلنا بهذا ندرك بعض الأسرار التي من أجلها حذر الشارع الحكيم من الدنيا، وأوصى بأن يكون النيل منها بقدر:
يَقُولُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: [ فَأَبْشِرُوا وَأَمِّلُوا مَا يَسُرُّكُمْ فَوَاللَّهِ مَا الْفَقْرَ أَخْشَى عَلَيْكُمْ وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ عَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا وَتُهْلِكَكُمْ كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ] رواه البخاري ومسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد. وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:[ إِنَّ الدُّنْيَا حُلْوَةٌ خَضِرَةٌ وَإِنَّ اللَّهَ مُسْتَخْلِفُكُمْ فِيهَا فَيَنْظُرُ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فَاتَّقُوا الدُّنْيَا وَاتَّقُوا النِّسَاءَ فَإِنَّ أَوَّلَ فِتْنَةِ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَتْ فِي النِّسَاءِ"رواه مسلم والترمذي وابن ماجه وأحمد.
3-صحبة المسرفين: فالإنسان غالبًا ما يتخلق بأخلاق صاحبه، لاسيما إذا طالت هذه الصحبة، وكان هذا الصاحب قوي الشخصية، شديد التأثير . وبذلك ندرك السر في تأكيد الإسلام، وتشديده على ضرورة انتقاء الصاحب أو الخليل .
4-الغفلة عن زاد الطريق: ذلك أن الطريق الموصلة إلى رضوان الله والجنة، ليست طريقًا مفروشة بالحرير والورود والرياحين، بل بالأشواك والدموع، والعرق والدماء والجماجم؟ وولوج هذه الطريق لا يكون بالترف، والنعومة، والاسترخاء، وإنما بالرجولة والشدة، ذلك هو زاد الطريق، والغفلة عن هذا الزاد توقع المسلم العامل في الإسراف. ولعلنا بذلك ندرك سر حديث القرآن المتكرر المتنوع عن طبيعة الطريق:
أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [214] { [سورة البقرة] . } أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ [142] [سورة آل عمران] إلى غير ذلك من الآيات.
5-الزوجة والولد: فقد يبتلى المسلم العامل بزوج وولد، دأبهم وديدنهم الإسراف، وقد لا يكون حازمًا معهم، فيؤثرون عليه، وبمرور الأيام، وطول المعاشرة، ينقلب مسرفًا مع المسرفين.
ولعلنا بذلك نفهم بعض الأسرار التي قصد إليها الإسلام حين أكد ضرورة انتقاء واختيار الزوجة، وعلى ضرورة الاهتمام بتربية الولد والزوجة: