أي إسلام نريد ؟
يتساءلون عن: أي إسلام نريد ؟ كأنما الإسلام لا يزال مجهول النسب بعد أكثر من أربعة عشر قرنا من ظهوره ، أو بسبب مرور أربعة عشر قرنا !! والغريب أن هؤلاء المتسائلين عندما يطرحون ما يطرحون لا يقبلون تشكيكا: عن أي حضارة ؟ وأي حقوق إنسان ؟ وأي حرية ؟ وأي ديموقراطية ؟ وأي ليبرالية ؟ وأي اشتراكية ؟ وأي علمانية ؟ وأي علموية ؟ وأي حداثة يريدون لنا ؟؟
وإذا كان هذا السؤال يأتي من جهات مشبوهة نعرفها في النسبية التاريخية والتطورية فلاشك عندنا أنه أخذ يتسلل من جهات غير تلك ، هي موضع الثقة والتقدير والاحترام ، وهذا ما جعل القضية أكثر خطورة ، وجعل التصدي لها أكثر لزوما
ومن الجهة الثانية - التي نؤكد مرة أخرى أنها موضع الثقة والتقدير والاحترام - ما ذكره الرئيس محمد خاتمي - في كتابه"الإسلام والعالم"نشر مكتبة الشروق بالقاهرة ط 3 عام 2002 - في سياق نقده العقل نقدا جذريا
نقد العقل بمحاصرته في دائرة النسبية ثم ذهب يُؤمَن مخرجا للدين ، فهو وإن كان قد أقر: ( اعتقاد الكثيرين من الفلاسفة بأن عقل الإنسان يتحلى بجملة من الثوابت ومن الاقتناعات المطلقة ) إلا أنه ما لبث أن عاد إلى الاعتراف ( بأن العقل"مبتلى بأنه محدود ) ص 27 وهذا صحيح"
وهو في سياق هذا النقد يستمسك بالدين باعتباره: ( توأم الإنسان وأقدم الموجودات البشرية ) ، ( وحياة الإنسان من غير دين ومن دون التسليم لأمر سام ومتعال لا معنى لها ) ويقرر أن ( وجود القداسة والسمو إنما هو وجود للإطلاق ولانعدام الشروط والقيود . ) 0ص 24 ولكنه ما يلبث أن يعود به إلى دائرة النسبية: لأن الإنسان ( موجود في الزمان والمكان والاجتماع وبالتالي فإن معرفته ووعيه نسبيان وقابلان للخطأ ) ص 25 ثم يضع لمسة شيعية على الموضوع: ( إن نسبية معتقداتنا تكون أعظم جدية في زمان غياب المعصوم ) ص 25
وفي تقديره أنه من أجل هذه النسبية كانت الخلافات بين أتباع الديانات ، بل بين مذاهب الدين الواحد ، بل بين فئات المذهب الواحد ، هذه الخلافات تدل على استحالة أن يدعي أحد الإحاطة بالحقيقة كاملة ( ولنضرب الإسلام مثلا: فأي إسلام نريد ونحن نتحدث عن الإسلام ؟ أإسلام أبي ذر أم إسلام ابن سينا أم إسلام الغزالي أم إسلام محيي الدين بن عربي ؟ أإسلام الأشاعرة ؟ أإسلام المتصوفة ؟ أإسلام الظاهرية ؟ أي إسلام ؟ ) ثم يقول ( بلى إنها كلها شواهد لا يعتريها الشك على نسبية معرفة الإنسان حتى عن الدين ) ص 26 إلخ
ثم يصرح بأن ( دين كل شخص إنما هو تجربة ذاتية تتحقق إثر الاتصال الوجودي بالمبدأ . .. إن وسيلتنا المشتركة هي فهمنا الناتج عن قوانا العقلية المشتركة ، فنحن نفهم الدين كما نفهم الطبيعة وعلى أساس فهمنا نكون العلاقة مع الآخرين ، و لكن ومهما كان فهمنا ثابت البنيان فإن أسسه نسبية وعرضة للتغير . ) 32ص ..
وربما لم يهتم الرئيس بأن يوضح أن النسبية تعني إنكار حقائق الأشياء ، وقصر الاعتراف بها بالنسبة لمن يعتقد بها ، فأنت تقول: القمر جميل فهذا لا يعني أن للقمر جمالا غير ما تعتقد أنت به ، ومن حقك أن تعتقد ما تشاء ، فهذه رؤيتك الخاصة ، وليس من حقك أن تلزم غيرك بها ، فأنت لا تملك الحقيقة ، كما أنه ليس من حق غيرك أن ينكرها عليك فتلك رؤيته الخاصة وهو لا يملك الحقيقة أيضا ، فأين هي الحقيقة إذن: المسألة نسبية . جفت الأقلام وطويت الصحف .
فهل انتهت سفينة الرئيس إلى الرسو على جزيرة النسبية ؟
من الواضح أن الرئيس لم يفعل ذلك إلا للتخلص ممن ينقلون القداسة والإطلاق والسمو التي هي من صفات جوهر الدين وحقيقته إلى تصوراتهم النسبية والمحدودة ، ويحاولون فرض تصورهم الناقص على الواقع ، وفي رأيي أن الرئيس خاض إلى هذا الهدف النبيل مخاضا صعبا يثير المشكلات أمام جوهر الدين نفسه ، بينما كان الطريق أمامه ممهدا للرد على هؤلاء بما درج عليه الفكر الإسلامي من ردود متفق عليها وما وضعه من حدود تقليدية
إن الرئيس واجه هؤلاء بأن قذف في وجوههم أسئلة تثير الريبة لا فيما تجمدوا عليه فحسب ولكن في قضية الدين المشتركة عموما
إنه يسائلهم بقوله: أي إسلام نريد إلخ
يقول فخامة الرئيس ( تتلخص خدمة الدين في عصرنا بالتمييز بشجاعة بين جوهر الدين كشأن مقدس ومتسام وبين تصورات الإنسان عنه والتي هي أمر محدود ونسبي ويدركها التغير ) ص 35 ، ويحاول السيد الرئيس أن ينهي المشكلة بقوله ( إن التصور الديني الموثوق به مثله مثل أي تصور علمي ومنطقي رهن بتمسكه بمصادر الفكر الديني وبالقرآن الكريم بخاصة فيما يعنينا نحن المسلمين ، ومنوط أيضا بالإحاطة بالأساليب المدروسة لاكتساب المعرفة والاستفادة بها ) ص 36