فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 27345

آفاق إيمانية لإصحاح البيئة أبو صرة عبيد علي أحمد*

استقر في أذهان الكثيرين - عند سماعهم ما يسمى بـ (إصحاح البيئة) - مفهوم لا يكاد يتجاوز القيام بحملات التوعية، وردم البرك والمستنقعات المائية الآسنة، ومكافحة الأوبئة والأمراض المعدية والمستوطنة كالملاريا وغيرها؛ ذلك مع الأخذ ببعض الأساليب للتخلص من النفايات والمخلفات البشرية والحيوانية والصناعية التي تلّوث البيئة!!..

هذا وإذا اتسع الأفق الفكري للحملة لأضاف إلى ما ذكر: الأخذ بالمحافظة على جمال الطبيعة، والمساحات الخضراء كالغابات والحدائق والمنتزهات.. ودعا لاستحداث الأساليب المتطورة لوفرة الإنتاج الزراعي والحيواني.. وربما يعود على الإنسان بالصحة والعافية في دنياه الفانية!!..

وهكذا! وكأن الإنسان مجرد جسد.. لا فكر له ولا رسالة في هذه الحياة!!.. فهو كالأنعام يأكل وينام؟!..

ومن ثم انحصر مفهوم البيئة وإصحاحها عند الكثيرين على ما يقوم به الجسد الفاني وحسب؛ ليقدم وجبة شهية ودسمة لدود اللحوم!!.. وكأن الإنسان لم يكن ذاك الكائن الحي المكرم في الوجود من عند الله تعالى الذي ميّزه عن سائر المخلوقات بالعقل والفكر، بل وبالخلافة في الأرض!!..

* معالجة متخلفة:

نتج عن هذا الفهم للبيئة وإصحاحها تخلّف واضح وظاهر؛ حتى في مجال معالجات الملوّثات البيئية كالنفايات والأوساخ؛ فنجد أنه ومع ما بذل من مجهودات وطرح من أفكار فلا زالت شوارعنا ومياديننا تعج بها؛ حتى أصبحت سمة ملازمة.. وما ذلك إلا لأننا قصرنا أسلوب المعالجة ليكون عائده (ماديّا) أكثر من أن يكون العائد: تربية وسلوكًا أخلاقيًا؛ يتتطبع به المواطن، أو يكون توعية تتجاوب مع تعاليم ومثل دينه وعقيدته..

فأثقلنا كاهله بما يسمى برسوم النفايات، ومع ذلك عجزنا أن نقدم له عائدًا يحس به ويجده في طريقه وشارعه؛ ذلك: لأننا جرينا وراء تحقق العائد الفاني، وأهملنا فعالية شحذ همّته بالمثل والقيم الإيمانية التي خاطبت وجدانه وفطرته؛ فصاغت له البيئة وإصحاحها قيمة ضمن قيم إيمانه، بل شعبة وشريحة (مبرمجة) له يوميًا في سلك القُرَب التي ينال بها الثواب والرضا من عند الله تعالى الوهاب.. وكفى بنا في هذا الشأن بمقولة واحدة وبضع كلمات منيرات خالدات سنجد فيها أس إصحاح البيئة لا لولاية الخرطوم فحسب بل وللعالم أجمع: (الإيمان بضع وستون - أو وسبعون - شعبة؛ أعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق) ، وقول الرسول صلى الله عليه وسلم: (وإماطة الأذى عن الطريق صدقة) .. وهو الشوكة والحجر والعظمة.. وقد أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم يعدد في حديثه أصنافًا مما ينال بها المؤمن الثواب والجزاء من عند الله تعالى الملك الوهاب.. وكلها إذا دققنا النظر فيها فسنجد فيها إصحاحا للبيئة وتطهيرا لها من ملوّثاتها..

* بهذا الفهم، وبمثل تلك القيم الإيمانية يكون خطاب إصحاح البيئة للمواطن؛ يحرك وجدانه وعاطفته الإيمانية، وبذلك ستكون الاستجابة سريعة وفعّالة، والانفعال بها صادقًا؛ فيصدر عن ذلك عمل نابع من إخلاص الضمير وصدق النية؛ لصدوره من داخل الذات وقناعتها؛ لا من إجبار بسخرة أو جباية.

* ترى لو نجحنا بهذا المفهوم وبتلكم القيم في دفع ربع سكان العاصمة لأن يزيل كل واحد منهم حجرًا أو ورقة أو كيس نايلون عند خروجه في الصباح من منزله، ويضعه في سلّة معدّة لذلك فكيف سيكون حال شوارعنا؟!.. لا شك أننا سنجد أن العاصمة قد تبدّل حالها، وغدت مشرقة بنور إيمان أهلها، وأصبح أهلها من أصحاب القرية التي آمنت فنفعها إيمانها في عصر الماديات.. ونسأل الله تعالى أن يكشف عنها وعن أهلها الأذى والخزي في الحياة الدنيا وفي الآخرة.. آمين.

* وبإذن الله تعالى وتوفيقه سنتابع موضوعات إصحاح البيئة فيما يتصل بمعالجة الأوبئة الاجتماعية، وأمراض النفوس والقلوب إن شاء الله تعالى.. وبه التوفيق.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت