الشيخ محمد سيد حاج*
(1) مقدمة:
إنّ الصراع بين الحق والباطل قديم قدم الإنسان، فأينما وُجد الإنسان وُجد صراع أولًا في دواخله بين بوادر الخير ونوازع الشر، وثانيًا بين أنصار الحق وأعوان الباطل على مر الدهور والأزمان، (( بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ) ) [سورة الأنبياء: 18] .
وقد أخذ هذا الصراع أشكالًا مختلفة وصورًا كثيرة، تختلف في شكل المنازلات ومجالات المواجهة وصور التحديات، ولكنها تتفق في النتائج (( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا ) ) [سورة البقرة: 217] ، (( وودوا لو تكفرون ) ) [سورة الممتحنة: 2] . وأهم ما في القضية هو البعد العنصري والمنطلق الديني لهذا الصراع؛ ولهذا سميت بالصليبية لأنها حرب مقدسة عندهم.
وإنّ الحديث عن هذا الموضوع الكبير والشائك لا تكفيه هذه الورقة للإحاطة به، لا سيما وهو حديث عن الماضي استقصاءً، وعن الحاضر قراءةً وتحليلًا، وعن المستقبل تخطيطًا واستشرافًا.
ولكن أبدأ مستعينًا بالله عز وجل:
(2) الحروب الصليبية من خلال القرآن الكريم:
إنّ المتأمل للكتاب الكريم يجد خلاله كشفًا لحقائق الكفار الصليبيين وتبيينًا لسبله (( وكذلك نفصل الآيات ولتستبين سبيل المجرمين ) ) [سورة الأنعام: 55] ، وفضحًا لعقائدهم وتعريفًا لنا بأعدائنا (( والله أعلم بأعدائكم وكفى بالله وليًا وكفى بالله نصيرًا ) ) [سورة النساء: 45] ، وإنك لتجد إشارات واضحة في القرآن عن دوافع ومنطلقات وأشكال الحروب الصليبية بكلمات جامعة ومعاني رشيدة ومن ذلك:
[1] (( يريدون أن يطفئوا نور الله بأفواههم ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون ) ) [سورة التوبة: 32] .
[2] (( ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردّوكم عن دينكم إن استطاعوا ) ) [سورة البقرة: 217] .
[3] (( إن يثقفوكم يكونوا لكم أعداء ويبسطوا إليكم أيديهم وألسنتهم بالسوء وودّوا لو تكفرون ) ) [سورة الممتحنة: 2] .
[4] (( ودَّ كثير من أهل الكتاب لو يردّونكم من بعد إيمانكم كفارًا حسدًا من عند أنفسهم ) ) [سورة البقرة: 109] .
[5] (( ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم ولئن اتّبعت أهواءهم بعد الذي جاءك من العلم مالك من الله من ولي ولا نصير ) ) [سورة البقرة: 120] .
[6] (( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تُخفي صدورهم أكبر قد بيّنا لكم الآيات إن كنتم تعقلون ) ) [سورة آل عمران: 118] .
[7] (( إنّ الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدّوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون ) ) [سورة الأنفال: 36] .
تشير الآيات إلى أهداف الحروب الصليبية، والتي تقصد زعزعة العقيدة الإسلامية، واختراق قيم المجتمع، وإضعاف المسلمين واضطهادهم، من منطلق حقد دفين وكراهية متجذِّرة (( قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر ) )، وأنهم يستعملون أسلحة كثيرة، منها المال وأسلحة الفكر والثقافة (( حتى تتبع ملتهم ) ).
(( ولا يزالون يقاتلونكم ) )يوحي النص بأنها مستمرة وأنها حرب شاملة وحضارية، وكذلك في قوله: (( ولا يزالون ) )دليل على أنّ السلاح المستخدم ليس سلاحًا عسكريًا محضًا، بل فيه الأسلحة الاقتصادية والسياسية والإعلامية والعقائدية.
(3) تاريخ الحروب الصليبية:
الحقيقة التي ينبغي أن نعيها أنّ الأديان والمعتقدات هي التي تحرك المجتمعات وتشكل الدول حتى اليوم، وذلك لأن الدين بطبيعته يدعو إلى تغيير أنماط الحياة السائدة، وإصلاح المجتمعات، ويقوم على ثوابت لا تقبل التنازل والتردد، ومن هنا لما بُعث النبي صلى الله عليه وسلم بدأت الحروب ضده؛ باعتباره دينًا له فواصله وأحكامه وشرعته المستقلة، التي لا تذوب في غيره من الأديان (( قل يا أيها الكافرون. لا أعبد ما تعبدون ) ) [سورة الكافرون: 1-2] ، وكان دين النصارى قد حُرِّف ومُسخ ولكنه ظل دينًا له أتباع يخضعون له ويؤمنون به. وهنا بدأ في محاربة النبي صلى الله عليه وسلم، ولكن أول مواجهة قتالية مع الصليبية كانت في (مؤتة) ، ثم عزم النبي صلى الله عليه وسلم على مواجهتهم في تبوك ولم يُقدِّر الله تعالى قتالًا، ثم جاءت بعد ذلك الفتوحات الإسلامية في عهد الخلفاء الأمويين والعباسيين، فكانت معارك كبرى منها اليرموك التي أزالت النفوذ البيزنطي من الشام كلها وودع هرقل دمشق وداعًا لا لقاء بعده [فتوح البلدان للبلاذري] . ودخل المسلمون بيت المقدس سنة 15 هـ وسُلّم الفاروق مفاتيحها وفرض الجزية وحفظ لهم حقوقهم والراجح عند الطبري أنها فُتحت صلحًا [تاريخ الطبري: 2/449] . واستمرت الفتوحات الإسلامية حتى فتحت الأندلس وأزال المسلمون حكم القوط النصارى عنها وبلغوا وسط فرنسا وحاصروا روما لتكون كلمة الله هي العليا وكلمة الذين كفروا السفلى لأنّ لها موعدًا لن تُخلفه.
أهم مراحل الحروب الصليبية:
وتأتي أهمية هذه النقطة من أنه مَن لم يعرف ماضيه فلن يفهم حاضره: