فهرس الكتاب

الصفحة 16756 من 27345

سورة القلم(1)

العلامة محمود مشّوح

بسم الله الرحمن الرحيم

الجمعة 15 شعبان 1395هـ -22 آب 1975 الحلقة السادسة

أما بعد أيها الإخوة المؤمنون. فلقد قضينا الجمعتين السابقتين في الحديث عن سورة العلق وكنت أشعر أن من الضروري اللجوء إلى شيء من التفصيل في البداية، وقد طلبت إليكم جميعًا قبل أن أبدأ هذه السلسلة من الأحاديث أن تقرءوا السور الأربعة التي هي أول ما نزل من القرآن، ولا شك أن قدرات الناس تختلف وليس كل قارئ للقرآن قادرًا على أن يقرأه على النحو المنتج فرجوت بالتفصيل الذي عمدت إليه في الجمعتين الماضيتين أن أعرض طريقة في القراءة والفهم والتدبر تعين الإخوة جميعًا على حسن الوقوف عند مرامي كتاب الله جل وعلا. أما الآن ونحن نستقبل الحديث عن بقية السور فلست أرى داعيًا للإغراق في التفاصيل فما مضى يكفي فيما أقدر.

نحن اليوم نستقبل سورة القلم بعد أن أنجزنا الحديث عن سورة العلق فماذا في هذه السورة مما كلف به النبي صلى الله عليه وسلم والمؤمنون؟ يقول الله تبارك وتقدس:

(ن والقلم وما يسطرون ما أنت بنعمة ربك بمجنون وإن لك لأجرًا غير ممنون وإنك لعلى خلق عظيم فستبصر ويبصرون بأيكم المفتون إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين) .

هؤلاء الآيات هُنَّ فاتحة السورة الكريمة فلننظر فيها على سبيل الإجمال والاختصار؛ أما قوله تعالى ن: هذا الحرف المفرد فلن نختار فيه إلا ما اخترناه قبل ست سنوات أو سبع سنوات حينما تعرضنا للحديث عن سورة البقرة وشرحنا الأقاويل التي أوردها المفسرون في قوله تعالى ألف لام ميم أ.ل.م. رجحنا ما رجحنا آنذاك.

وخلاصة ما انتهى إليه رأينا بعد طرح كل الآراء المتهافتة التي لا يسندها عقل لا نقل أن هذه الحروف المقطعة التي جاءت في بعض أوائل السور إنما هي أشارات تنبيه لجذب انتباه السامع كما تقول في فاتحة كلامك ليستجمع المستمع إليك شوارد ذهنه وعقله ويتهيأ لمعرفة ما سوف تلقي إليه من القول هذه واحدة، ثم هي تنبيه لكن من زاوية أخرى فهي تنبيه ولفت نظر إلى اعجاز هذا الكتاب الكريم الذي بُهتت العرب وهم يسمعون محمدًا صلوات عليه وآله يتلوه عليهم كأن الله جلت قدرته يشير بهذه الحروف المقطعة إلى أن هذا القرآن الذي جذب ألبابهم وحير عقولهم مؤلف من ذات الحروف التي يتألف منها كلامهم ومنطقهم؛ الحروف التي نستعملها في ترتيب الكلمات التي نتفاهم بها في خطابنا فيما بيننا هي نفس الحروف التي استخدمت ونفس الأداة التي استعملت لتأليف هذا القرآن الكريم ومع ذلك مع أن المادة الأولية في الكلام الإلهي وفي الكلام البشري واحدة فالفرق واسع جدًا بين طبقة الكلام الإلهي وبين طبقة كلام الناس الفرق يشبه أن يكون كالفرق بين الخالق والمخلوق.

منذ أن نزل هذا الكتاب على رسول الله صلوات الله عليه وألقى في وجوه العرب فرسان البلاغة وأرباب اللسن والفصاحة بالتحدي أن يأتوا بمثله أو بسورة من مثله وهذا التحدي قائم لم ينقطع، والطاقة البشرية تقر على نفسها في كل جيل بالعجز عن الإتيان بمثل هذا الكلام وكفى بذلك دليلًا على تنزه المصدر الذي نزل منه هذا الكتاب الكريم.

ولا عجب فإن معجزة محمد صلى الله عليه وآله هي هذا الكتاب الذي عمل في زمنه -بأبي هو وأمي- وما زال يعمل على توالي الأحقاب والأجيال لم ينقطع تأثيره ولن ينقطع تأثيره، بحال من الأحوال والرسول عليه السلام يقول في هذه الناحية:

ما من نبي أرسله الله قبلي إلا وأوتي من المعجزات ما مثله آمن عليه البشر، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا يتلى، فأنا أرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة.

معجزات الأنبياء من قبل؛ من فَلْقِ؛ البحر وقَلْبِ العصا حَية وإبراءِ الأكمة والأبرص، وإحياء الموتى معجزاتٌ محكومة بظروفها وبشرائطها التاريخية لا تتكرر، ثم إن تأثيرها مقصور على الذين شهدوها في لحظة زمانية معينة، وفي مكان معين لا تتعداهم إلى سواهم لكن هذا القرآن يفعل في الناس فعل السحر يقرأه العربي فينتفع، ويقرأه الأعجمي فينتفع، ويقرأه ابن القرن الأول فينتفع، ويقرأه ابن القرن الرابع عشر فينتفع، ويقرأه الناس إلى ما لا يعلمه إلا الله فلا يزيد الإنسانية إلا هداية وتقى.

وترون أنتم أن كل أمم الأرض التي كانت لها في الماضي حضارات وكانت لها مبادئ وأهداف تفور فورة، ويكون لها مد وتنتشر بين الناس ضمن شرائط محددة ثم يدركها جنوح حتمي نحو الانحلال فتتقلص وتتراجع سوى هذا الإسلام منذ جهر به رسول الله يشهد مدًا متصاعدًا وتقدمًا مستمرًا لا يعرف نكوصًا ولا تراجعًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت