فهرس الكتاب

الصفحة 16639 من 27345

سر قوة الحاكم شعبه !!

سلمان بن محمد العنزي * 12/4/1424

هذه الدول الإسلامية في امتدادها واتساع رقعتها هي في الحقيقة دولة واحدة، ضعف خليفتها وأصابه الترف والخمول في مقتل فداور الأمر من ورائه فئام أولو قوة ومنعة، فقسموا الأرض بينهم، وحكم كل منهم بأمره حسب ما يمليه عليه دينه أو أخلاقه أو مطامعه، وإن أردت توضيحًا أكبر فإني أشبه لك الأمر بما كانت عليه الدولة العباسية بعد عصر القوة فيها، حيث تحكم فيها الموالي من الترك والفرس وأصبحوا أهل الحل والعقد يقتلون السلطان متى ما شاءوه، وينصبون من يريدون فأضحت الدولة جسدا ممزقا بلا روح، فتلاعبت به أرياح الأهواء والفتن، وهذه التقلبات السياسية يتبعها تقلبات في الدين والأخلاق، لا سيما في أوقات القوة والانفتاح على الثقافات الوافدة، مما يولد رغبات جامحة تنفر من الماضي وتريد أن تتلبس بالحاضر الآتي من بعيد بكل صوره وأنواعه، ولو كان على أساس الثوابت، وهذه النظرة الجارفة ينشأ في مقابلها نظرة أخرى متطرفة تريد العودة إلى الدين عودة صارمة متصلبة، مما يؤدي إلى نشوء مذاهب متشددة قد تستحل دماء المسلمين وأموالهم بحجة المروق عن الدين كما فعل الخوارج، وهم إن هدأت غواربهم عادوا إلى التفسيق والتبديع بمجرد الظن، وهذا إفراز طبيعي لنفوس تعشقت هذا الدين الحنيف، وعرفت مقدار جلالته ومقدار مافيه من عاطفة جياشة، ومن صلاح في الدنيا والآخرة، وعرفوا مقدار ما في الباطل من شر سيما إذا استحكمت صولته وامتد عنفوانه، ليكدح في القلوب الوالهة ويتسرب في طيات النفوس المتشعبة..

إن من حقائق الحياة أن عقيدة المرء وتدينه له أكبر الأثر في فكره ونمط عيشه وفي تقبله الحياة والسبر لأغوارها، وفي التعايش مع الآخر.. فإذا كان هذا التدين معتدلا متسقا مع دلالات الكتاب والسنة فانه ينتج مجتمعًا صالحًا مصلحًا مريدًا للحياة لكي يعطي الحياة معناها الصافي الصحيح الخالي من كل شائبة، وعلى هذا الأساس المتين تقوى الأخلاق من ناحية معانيها وترق من ناحية أسلوبها الملون للحياة، فيكون الإنسان المسلم داعية بشمائله وسمته وأخلاقه، قبل أن ينطق بلسانه، أي تتوافق فيه الفصاحتان، فصاحة المعنى وفصاحة المبنى..

وإذا كان هذا التدين متشددًا ناتجًا إما من ردة فعل أو من فهم آحادي لقواعد عامة أو من طبيعة الصراع المحتدم أو من الكم الهائل من الترسبات النفسية، والتي ساعد في تكاثرها وتناميها وتسممها بعض الولاة والعلماء، فإن هذا التدين لا ينتج إلا مجتمعا كارها لنفسه قبل أن يكره غيره ومحبا للدمار، فتحدث التشققات في المجتمع، وتضطرم النار وقد لا ترى نتائجها إلا في أوقات التفلتات الأمنية أو الكروب العظيمة المهددة لكيان الأمة .. بل إن هذه النظرة التشاؤمية القاتلة قد تحلو لكثير من أهل العقل والنظر؛ لشدة الإحباط الذي يواجهونه أو يواجهه غيرهم، زيادة على ما جبلت عليه نفوسنا العربية من حب للثورة والاصطدام، حتى قيل من لم يثر أو يفكر بالثورة فليس عربيًا، ولعل هذا أحد الأسباب الرئيسية في إبعاد العرب من قصور بني العباس، حتى قال صاحب الدعوة إبراهيم بن محمد بن علي في خطاب أرسله لأبي مسلم:"إن استطعت ألا تدع بخراسان لسانًا عربيًا فافعل، وأيما غلام بلغ خمسة أشبار تتهمه فاقتله"!

ولكن تبقى هذه الحقائق مجرد نظرات ونظريات تؤلف فيها الكتب وتكثر فيها الكلمات ما دامت الدولة قوية جبارة تقتل لمجرد الظن ولا تتسامح في تمزيق هيبتها وتفريق صفها، فإذا ما ضعفت وأصبح حاكمها مجرد صورة يتلاعب به من هم دونه، وكثرت الفتن ولم تجد قامعًا لا من العلماء ولا من الأمراء فإن تلك النظريات تتحول إلى حقيقة تدب على الأرض ولا يكون ريها ولا امتداد حياتها الا انهارا من الدماء الزاكيات مختلطة بدماء منتنة ملوثة، ولكن ما بقاء العمر بعد ذهاب من ذهب وتمزيق ما تمزق؟.

وهنا يأتي دور العلماء الربانيين العارفين بدينهم وبواقعهم والمعتبرين بالتاريخ القديم والحديث، خاصة فيما يحصل أيام الفتن ..يأتي دورهم في وجوب التلاحم مع الأمراء وتبصيرهم بعواقب المضي قدما في الطريق المفزع، منتبهين إلى أمر ذي أهمية بالغة، وهو أن القرب منهم والصدق في نصرتهم - ظالمين ومظلومين- لا يعني ذوبان شخصيتهم، ولا التعذير لهم ولا التسامح في كثير من أقوالهم وأفعالهم، والحرص على إيجاد المخارج لهم، فيعود العالم مجرد كوافير في قصر الملك يعمل على التزيين والتحسين..

ويأتي دور العلماء في سعة صدورهم، وتقبلهم للشباب وفتح بيوتهم لهم باشين في وجهوهم، مقدرين لنظراتهم وآرائهم مع معالجة الخطأ بالصبر والتؤده والأسلوب الرقيق، فهم أجساد لها مشاعر تحس بالصدق والحب وقادرة على مبادلة هذه المشاعر بأمثالها، وليس من الصعوبة بمكان أن تكسب قلبًا بالإحسان وجميل الحديث، وكل ما كان ممكنا بوجه من الوجوه، فهو موجود بصورة من الصور...

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت