نقد للمصطلح وتأصيل
مساعد سليمان الطيّار
إن المصطلحات العلمية يلزم أن تكون دقيقة في ذاتها ونتائجها، وإلا وقع فيها وفي نتائجها الخلل والقصور، ومن هذه المصطلحات التي حدث فيها الخلل مصطلح (التفسير بالمأثور) ، وفي هذا المصطلح أمران: أنواعه ، وحكمه.
أما أنواعه، فقد حدّها من ذكر هذا المصطلح من المعاصرين بأربعة، هي: (تفسير القرآن بالقرآن ، وبالسنة ، وبأقوال الصحابة ، وبأقوال التابعين) . (1)
وغالبًا ما يحكي هؤلاء الخلاف في جعل تفسير التابعي من قبيل المأثور. (2)
وأما حكمه ، فبعض من درج على هذا المصطلح ينتهي إلى وجوب الأخذ به. (3)
وأقدم من رأيته نص على كون هذه الأربعة هي التفسير بالمأثور الشيخ محمد بن عبدالعظيم الزرقاني ، حيث ذكر تحت موضوع (التفسير بالمأثور) ما يلي: (هو ما جاء في القرآن أو السنة أو كلام الصحابة تباينًا لمراد الله من كتابه) ثم قال: (وأما ما ينقل عن التابعين ففيه خلاف بين العلماء: منهم من اعتبره من المأثور لأنهم تلقوه من الصحابة غالبًا ومنهم من قال: إنه من التفسير بالرأي) . (4)
ثم جاء بعده الشيخ محمد حسين الذهبي (ت: 1977 م) فذكر هذه الأنواع الأربعة تحت مصطلح (التفسير المأثور) ، وقد علل لدخول تفسير التابعي في المأثور بقوله: (وإنما أدرجنا في التفسير المأثور ما روي عن التابعين وإن كان فيه خلاف: هل هو من قبيل المأثور أو من قبيل الرأي؟ لأننا وجدنا كتب التفسير المأثور كتفسير ابن جرير وغيره لم تقتصر على ما ذكر مما روي عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وما روي عن الصحابة ، بل ضمنت ذلك ما نقل عن التابعين في التفسير) (5) .
منشأ الخطأ في هذا المصطلح:
إنه فيما يظهر قد وقع نقل بالمعنى عمن سبق أن كتب في هذا الموضوع وبدلًا من أن يؤخذ عنه مصطلحه استبدل به هذا المصطلح الذي لم يتواءم مع هذه الأنواع ، ولا مع حكمها كما سيأتي.
والمصدر الذي يظهر أن هذه الأنواع نُقلت منه هو رسالة شيخ الإسلام ابن تيمية المسماة (مقدمة في أصول التفسير) .
وقد وردت هذه الأنواع الأربعة تحت موضوع (أحسن طرق التفسير) (6) فهي عند شيخ الإسلام (طرق) وليست (مأثورًا) .
ولو تأملت النقلين السابقين ، فإنك ستجد أنهما يحكيان الخلاف في كون تفسير التابعي مأثورًا أم لا.
وستجد هذا موجودًا في رسالة شيخ الإسلام ، ولكن البحث فيه ليس عن كونه مأثورًا أم لا ، بل عن كونه حجة أم لا؟
وبين الأمرين فرق واضحٌ ، إذ لم يرد عن العلماء هل هو مأثور أم لا؟ لأن هذا المصطلح نشأ متأخرًا ، بل الوارد هل هو حجة أم لا؟
وإن كان هذا التأصيل صحيحًا ، فإن اصطلاح شيخ الإسلام أدق من اصطلاح المعاصرين ، وأصح حكمًا.
فهذه التقسيمات الأربعة لا إشكال في كونها طرقًا، كما لا إشكال في أنها أحسن طرق التفسير ، فمن أراد أن يفسر فعليه الرجوع إلى هذه الطرق.
نقد مصطلح (التفسير المأثور) :
مصطلح المعاصرين عليه نقد حيث يتوجه النقد إلى أمرين وإليك بيانه:
1-ما يتعلق بصحة دخول هذه الأنواع في مسمى (المأثور) .
2-ما يتعلق بالنتيجة المترتبة عليه ، وهي (الحكم) .
أما الأول: فإنه يظهر أن هذا المصطلح غير دقيق في إدخال هذه الأنواع الأربعة فيه ، فهو لا ينطبق عليها جميعًا، بل ويخرج ما هو منها، فهذا المصطلح غير جامع ولا مانع لسببين:
أ- أن المأثور هو ما أثر عمن سلف ، ويطلق في الاصطلاح على ما أُثر عن النبي -صلى الله عليه وسلم- والصحابة ومن بعدهم من التابعين وتابعيهم.
فهل ينطبق هذا على تفسير القرآن بالقرآن؟
إن تفسير القرآن بالقرآن لا نقل فيه حتى يكون طريقه الأثر ، بل هو داخل ضمن تفسير من فسر به.
* فإن كان المفسر به الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو من التفسير النبوي.
* وإن كان المفسر به الصحابي ، فله حكم تفسير الصحابي.
* وإن كان المفسر به التابعي ، فله حكم تفسير التابعي.
وهكذا كل من فسر آية بآية فإن هذا التفسير ينسب إليه.
ب- أن المأثور في التفسير يشمل ما أُثر عن تابعي التابعين كذلك ومن دوّن التفسير المأثور فإنه ينقل أقوالهم ، كالطبري (310) وابن أبي حاتم (ت: 327) ، وغيرهما.
بل قد ينقلون أقوال من دونهم في الطبقة، كمالك بن أنس ، وغيره. ولو اطلعت على أوسع كتاب جمع التفسير المأثور، وهو (الدر المنثور في التفسير بالمأثور) لرأيت من ذلك شيئًا كثيرًا.
ولو قُبلت العلة التي ذكرها الشيخ محمد حسين الذهبي في إدخاله تفسير التابعين في المأثور ، لصح تنزيلها على المأثور عن تابعي التابعين ومن دونهم.
وقد نشأ الخطأ في تصور ونقل الخلاف في تفسير التابعي ، وهل يندرج تحت التفسير بالمأثور ، أم لا يصح أن يوصف بأنه تفسير مأثور؟ ونزّل كلام العلماء خطأ في حكم تفسير التابعي على قضية كونه تفسيرًا مأثورًا أم غير مأثور ، ولم يكن حديث العلماء على كونه مأثورًا أم غير مأثور ، إذ لم يكن ذلك المصطلح معروفًا ولا شائعًا في وقتهم.