فهرس الكتاب

الصفحة 15398 من 27345

عندما يتمكن الكفار الصرحاء ويظهرون على المسلمين، فإنَّ في هذا فتنة ومصيبة ولا شك، ولكن أعظم منها فتنة عندما يتمكن المنافقون المبطنون للكفر والزندقة والمظهرون للإسلام والانتساب إليه، كما هو الحال في تمكن العلمانيين في أكثر بلدان المسلمين، أو تمكن دولة الرفض الخمينية التي تخدعُ الناس الجهلاء بحبِ آل البيت وحب الإسلام، وهي تبطن كره الإسلام الحق، وتبغض السنة وأهلها، وتتمنى ذلك اليوم الذي تظهر فيه على أهل الإسلام؛ فلا ترقب فيهم إلًا ولا ذمة، وأوضح مثال لذلك ما قصهُ التاريخ الموثق علينا عن دور الرافضة في دخول التتار إلى ديار المسلمين، والأفاعيل الشنيعة التي فُعلت بالمسلمين في بغداد وغيرها؛ وكان من أسباب ذلك ممالأة ابن العلقمي الرافضي وطائفته لرئيس التتار، وخيانته للخليفة العباسي الذي كان قد استوزره وقربه.

والسبب في كون فتنة المنافقين أشدُّ من الكفار، هو أنَّ الكافر يعرفه الناس ويأخذون الحذر منه، ويبقى في النفوس بغضه وترقب اليوم الذي يزول فيه. أما المنافق الخادع للناس باسم الإسلام فقد يحبُهُ أكثر الناس وينخدعون به، فلا يبقى في النفوس بغضه وتمني زواله، فينشأ من ذلك فتنة وفساد كبير.

ومن أخطر صور الفتنة بالمنافقين، صورة رئيسية واحدة، تنبثق منها كل أشكال الفتنة بالمنافقين ألا وهي:

فتنة الخداع والتلبيس [1]

وهي من أشد أنواع الفتن وبخاصة في عصرنا الحاضر، الذي تسلط فيه المنافقون على أكثر ديار المسلمين، وتمكنوا من وسائل التأثير والإعلام، التي تعمل ليل نهار في خداع الناس باسم الإسلام والاحتفالات بمناسباته، وهم الذين أقصوا الإسلام عن الحكم والتحاكم، وهم الذين يسعون لتشويهه وإظهاره للناس بأنَّه صلةً بين العبد وربه، ولا دخل له بعد ذلك في شئون الحياة الأخرى.

ومن صور فتنة الخداع والتلبيس ما يلي:

ا- تسويغهم عزل الإسلام عن الحياة الاقتصادية والسياسية وغيرها من شئون الحياة، بقولهم: إنَّ دين الإسلام دين الصدق والنظافة والتقوى،

وكل هذا لا يتفق مع ألاعيب السياسة، ومهاترات السياسيين وأكاذيبهم؛ فلهذا ينبغي أن يترفع بالإسلام عن دهاليز السياسة المتلوثة؛ كل ذلك بزعمهم حمايةً للإسلام ومحافظة عليه من هذه اللوثات، ومع ذلك فقد يوجد من ينخدع بمثل هذا الكلام الفارغ الفاجر، وبالتالي يسقط في فتنةِ التضليل والتلبيس.

2-ومن صور الخداع والتلبيس التي قد ينخدع بها بعض السذج من الناس ويسقطون في فتنتها: ما يرفعهُ المنافقون في أكثر بلدان المسلمين، في وجه أهل الخير والإصلاح من أنهم دعاة شرٍ وإرهاب وفساد، وما تجلبه وسائل الإعلام المختلفة، وتدندن به على وصفهم ورميهم بهذه الأوصاف الظالمة، حتى تأثرت بذلك بعض الأدمغة المخدوعة، فسقطت في فتنتهم، ورددت معهم هذا الظلم والخداع، وبالتالي تعرض أهل الخير للأذى والنكال، باسم المصلحة الشرعية ومكافحة الإرهاب والفساد؛ وذلك بعد أن تهيأت أذهان المخدوعين من المسلمين لهذا الخداع والتلبيس.

وصور التلبيس والتضليل من المنافقين كثيرة جدًا؛ والمقصود الحذر من فتنتها والسقوط في شباكها، والتفطن إلى أنَّ المنافقين يستخدمون الإسلام دائمًا ويتترسون به في تمرير ما يُريدون من أغراضهم الخبيثة؛ فهذا شأنهم دائمًا: التحريف، والتلبيس، وإثارة الشبهات، مستخدمين وسائل الإعلام الرهيبة في خداع الناس وتضليلهم، ورضي الله عن عمر بن الخطاب حيث قال: ( لست بالخب ولا الخب يخدعني) ويعلق ابن القيم- رحمه الله تعالى- على هذه المقالة فيقول: (فكان عمر- رضي الله عنه- أورع من أن يخدع، وأعقل من أن يخدع) [2] .

3-اهتمام الحكومات العلمانية ببعض المناسبات الإسلامية، كالاحتفال بمولد الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهجرته، أو ليلة النصف من شعبان، أو الإسراء والمعراج، إلى آخر هذه المناسبات التي لا أصل للاحتفال بها شرعًا، وإنَّما هي من البدع المحرمة؛ ومع ذلك ينخدع بهذا التلبيس كثيرٌ من دهماء المسلمين، وتتحسن صورة أولئك المنافقين الذين يُضللون الناس بهذا الخداع، ويبدون في أعين المخدُوعين أنَّهم يحبون الإسلام ويغارون عليه، وهم أبعد ما يكونون عن الإسلام وأهله، وهل يحب الإسلام ويعتز بالانتماء إليه من يرفض الحكم به والتحاكم إليه، ويبدل شرع الله المطهر بنحاتات الأفكار، وزبالات الأذهان الجاهلة الظالمة؟ لا، والله إنَّ مثل هذا يكذب في ادعائه حب دين الإسلام؛ قال تعالى: (( قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ ) ) [آل عمران:31] .

فهل يعي هذا المخدوعون المضللون؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت