فهرس الكتاب

الصفحة 956 من 27345

د.عثمان قدري مكانسي

نحن معشر المسلمين - في الغالب والحمد لله - يحب بعضنا لبعضنا الخير ويتمنى له حياة طيبة وصحة ممتازة وعمُرًا مديدًا. ويمد أحدنا لجاره أو صديقه أو قريبه يد العون ما استطاع إلى ذلك سبيلًا . هكذا علمتنا الحياة ، وهكذا طلب منا ديننا الحنيف .

زرت من دول أوربا وأمريكا وأفريقيا وآسيا الكثير ، واطلعت على بعض أخلاقهم فوجدت الحلو والحامض ، والمالح والمر ، وخبرت الغث والسمين . وجدت فيهم ما أريده وما لا أطيقه . هم بشر ، والبشر خلقوا من عجل - بفتح العين لا كسرها وفتح الجيم لا تسكينها - . وسررت لبعض ما رأيت ، وتأففت استنكارًا لأشياء أخرى ، أعجبت ببعض التصرفات ، واغتممت لغيرها . وعدت لأصل إلى قناعة لم تتأثر بالقول المشهور:

وعين الرضا عن كل عيب كليلة ولكنّ عين البغض تُبدي المساويا

وبصيغة أخرى كانت قناعتي أن المسلمين عامّة والعرب منهم خاصّة أسلم صدورًا ، وأقرب إلى الفطرة ، وأكثر تحملًا للمآسي من كثير من البشر . قد يخالفني أحدهم وقد يوافقني فيما ارتأيت ، والموافقة قد تعزز رؤيتي ، والمخالفة أقبلها - ديموقراطيًا ، فالديموقراطية على كل الألسن هذه الأيام - ولا تفت في عضُدي ، فأنا لا أعتقد شيئًا إلا بعد تمحيص وقناعة . وتركه - على هذا الأساس - قليل الإمكان . لكننى أفيء إلى الحق سريعًا لأن الحق هدفي ، ولأن العمل به والتزامه بغيتي وقرة عيني . ولا أعتبر هذا مديحًا للنفس إنما أراه صفة ينبغي التحلي بها ، وشيمة لا فكاك عنها للمسلم ونصب عيني القول المأثور"لا خير فيمن يمدح نفسه . ولا أنسى ما حييت قول عمر رضي الله عنه"رحم الله امرأً أهدى إليّ عيوبي"."

وعلى الرغم أنني أفضّل العربَ المسلمين في صفاتهم العامة ، وأرغب العيش في البلاد العربية ، وحين أقول: البلاد العربية أنأى عن لفظ"الشرق الأوسط"فهذا تعبير فرضه اليهود والأوربيون ليبرروا وجود إسرائيل بيننا ، أما"البلاد العربية"فتظهر اليهود طارئين ، وجسمًا غريبًا عن أهل البلاد دينًا وعاداتٍ ومفاهيم .... أقول: فينا - معشر المسلمين العرب - مفاهيم لا يقبلها الإسلام ، وتصرفات لا يُقِرّ بها ، وعادات غير حضارية تؤذي الجميع وتظهرنا متخلفين عن غيرنا من الأمم .

ففي الولايات المتحدة - مثلًا- تجد كل جالية تتجمع في أحياء أو كانتونات بعضها إلى بعض فتدخل أحياءهم لتجد الناس - مع أنهم في أمريكا - يواصل بعضهم بعضًا ويعيشون حياتهم بعاداتهم التي تشرّبوها في بلادهم ، ويتكلمون مع بعضهم لغتهم الوطنية ، ولهم أسواقهم التي يتسوّقون منها ، ويساعد بعضهم بعضًا ماديًّا واجتماعيًّا وفكريًّا ، وبهذا تراهم محافظين على كيانهم ، فلا يذوبون في المجتمعات .. هذا واضح في كل مدينة زرتها من بوسطن في الشمال الشرقي إلى المكسيك جنوبًا . حتى إن بعض المواطنين من أصل أسباني أبًا عن جد ممن ولدوا في الولايات المتحدة على التحديد لايعرفون الإنجليزية ..

أما العرب المسلمون - ناهيك عن النصارى - فهم ينصهرون في سنوات عدّة في المجتمع الأمريكي ، وينسى الفتى لغته العربية التي تعلمها في بلده أو يكاد ، أما الأطفال الذين ولدوا هناك فيسمعون العربية من آبائهم دون ممارستها غالبًا . وليس لهم مجتمعات خاصة بهم كغيرهم . ومما آلمني أن عددًا لا بأس به من الأبناء ينسلخ عن دينه فيكون علمانيًا - لانقطاعه وأسرته عن المسجد - أو يدرس النصرانية فلا يعرف غيرها دينًا . وعلى هذا فقل: على الحجاب والمظاهر الإسلامية السلامُ ... وقد سئل بعض المسؤولين في الغرب عن سبب قبول المسلمين الملتزمين مقيمين أو لاجئين فكان الجواب: إننا نتقبلهم لأن أولادهم أو أحفادهم على أبعد تقدير سيكونون مثلنا بل منّا بمفاهيمهم وأخلاقهم ، ومبادئهم ، ونحن بحاجة إلى دماء جديدة ، فنتحمل الكبار لكسب الجيل الجديد الذي سيذوب في مجتمعنا . ومن هنا خطورة البقاء في المجتمعات الغربية على الجيل الجديد من أبناء المسلمين . وقد يدلل أحدهم على النظرة التشاؤمية فيما أقول حين يعرض صورًا لبعض الأسر المحافظة على تدينها وإسلامها في الغرب وتأثيرها في مفاهيمه ، فأكرر: إن هذا أمر إيجابي ملموس ، لا ننكره ، إنما هو شمعة في ظلام ، وبضّة من ماء زلال في بركة مالحة . ومن هنا نفهم نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن البقاء في بلاد الكفر دون ضرورة فالمآسي أكبر من الفائدة بما لا يُقاس . والأمثلة أكثر من أن تُحصى . وإنك لتجد من العادات والمفاهيم المتولدة عند المسلمين في الغرب ما تبتعد عن الإسلام أشواطًا من حيث يدرون أو لا يدرون . وتربية الأولاد هناك تحتاج إلى أضعاف ما تحتاجه من جهد في بلد مسلم .

وهذا لا يعني أن المسلمين في بلادهم يحيَون حياة إسلامية !! ويعيشون في بحبوحة من الرغد المادي أو الأخلاق الفاضلة . لكن الرمد أقل سوءًا من العمى ، ولربما يشفى المرء من رمد ، لكنّ بصره لا يعود إليه من عمىً .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت