ندى عبد العزيز محمد اليوسفي
عادَت وكانت مختفية ثلاثة أيام، أخذت تتحدث بانتشاء عن رحلتها، وحضورها العرض الأخير لشيطان أكاديمي، تحدثت عن كيف جُهّزَ الأستوديو للتصوير، وكيف أُجلِسوا، وماذا لبست، وغير ذلك مما دار خلف الكواليس و خفي على صديقاتها متابعات أكاديمية إبليس..!!!!
وبين ارتفاع الأصوات بعبارات التهنئة على هذا الشرف الذي نالته، وليس بعده شرف، كان ذلك الاستقبال الأسطوري، للبطل الصنديد، والمجاهد الرعديد، في صالة التشريفات، وبمائة ألف أو يزيدون، بالأحضان والورود والدموع، ويهتف الأب بفرح: (أحمد الله فقد مثَّلَ ابني بلدهُ خير تمثيل) ..!!!!، ويقول البطل بسعادة: (أحمد الله فقد كفّيت و وفّيت) ..!!!!
أُتابِع هذه المواقف وأقرأ عن ذلك الاستقبال الأسطوري؛ وصوتُ الرّائي ينخر أُذني، لم يتنبّه إليه أحد وسط ضجّة الاستقبال والاحتفال، يتلو نشرة الأخبار، يعلن أن الأمة تُذبح من الوريد إلى الوريد، ويقرأ بيانًا تلو بيان عن منازل تهدّم، ودماءٍ تسيل، ومُقْعَدٍ يُذبَح، وعقولٍ تُوأَد، وعِفّةٍ تُنحَر..!!!!
انتهى البرنامج كما انتهى سابقه سيء الذكر، سوبر شيطان، ونصّب كما نصّب ومازال ينصّب غيره؛ أبطال الأمة وشجعانها، من صمدوا و جاهدوا وصبروا على كل ما لاقوا، من أول التصفيات حتى النهائي، بكل بسالة، ووقفت الجماهير العربية والمسلمة خلفهم، تعاضدهم برسائل الجوال، والاتصالات، وأعمدة الصحف، والإعلانات، والدموع، بل والدعاء..!!!!
لم يمر على الأمة الإسلامية زمانٌ كهذا الزمان، ولا فتنٌ كهذه الفتن، ولا محنٌ ومصائب كالتي نرى ونسمع، اشتدّت عليها الهجمة، وأغار عليها العدو، واستوطن بقاعها، برًّا وجوًّا وبحرًا بل وقلبًا وفكرًا..!!!!
ظلماتٌ بعضها فوق بعض، كلما انقضت طامة من الطوام جاء ما هو أشد منها ألمًا و خطرًا وانفتاحًا وتحررًا وتغريبًا وتمييعًا للدين..!!!!
الإعلام، أداة العدو المتربّص، الأداة التي فُعّلَت واستُخدمَت للنفوذ للأقطار التي لم يَتَسنّى احتلالها عسكريًا للآن، إعلام وُجّه أصلًا لإعدام شباب هذه الملّة، بعد أن فشلت كل الطرق؛ احتلوا العقول والعيون والقلوب والألسن احتلالًا أعظم من ألف ألف احتلالٍ عسكري، وأكثر عملًا و تدميرًا وإيلامًا، والله المستعان..!!!!
الإعلام، أصبح أخبث ما يكون، يتابع بدقّة أدقّ الدقائق في حياة أقل القوم وأوضعهم في ميزان الأخلاق والعطاء، تُضخَّم صورهم وأخبارهم وخلافاتهم وانجازاتهم وحتى أفضل مآكلهم و مشاربهم، يصوّرون على أنهم الصورة المثالية للحياةِ النموذجية..!!!!
الإعلام، أخذ بكل خُبث ينظّم الحوارات والبرامج المصفوفة والمزينة والمنقوشة بكل دعوى إلى الخروج على المجتمع و أعرافه البائدة، وكأن الدين عُرفٌ أكل عليه الدهر وشرب، وتراث مكانه المعارض والمهرجانات وقصص الجدّات..!!!!
وإن لم يكن هذا ولا ذاك، فأخبث ما صنع على الإطلاق، رفع أهل البدعة، وتقديمهم للجمهور، على أنهم الرحمة المهداة، وأصحاب المنهَج الحق، ونشر خزعبلاتهم وعرض طوامهم ومشادّاتهم..!!!!
تعذّر من تعذّر أن متابعة الأخبار، والأحداث أولًا بأول، هي ما تلتَفِت إليه أنفسهم، وأنهم لا يولون اهتمامًا بما عدى ذلك، وما رأيتُ حجّة أعجب من هذه، فهل نحنُ صنّاع قرار حتى تحمل النفس همَّ متابعة الخبر لحظة بلحظة..؟!!، وهل نملك أن نغيّر من الحال شيء؟!!، وهل ملك صنّاع القرار أنفسهم تغيير شيء..؟!!، وكيف تحتمل النفس مشاهدة مناظر القهر والإبادة ليل نهار..؟!!، وكيف يهنأ لها نومٌ وعيش مع ضعف الحيلة وتقطّع الأسباب دون الوسيلة..؟!!
أما الفتاة فهل تتابع الأخبار..؟!!، أم آخر التحليلات السياسية..؟!!، أم في أحسن الأحوال تتابع برنامجًا عن الإعجاز العلمي و خفايا الطب..؟!!!!، إنها تتسمّر أمام 500 قناة في غرفة مغلقة، تتقلب بين هذه القمامة وتلك، تراقب تمايل هذه، وتقبيل ذاك، وتراقُص تلك..!!!!، ويمضي بها الوقت، وتحتار ماذا تصنع بهذه النفس، تخرج إلى الأسواق وتغوص في بحار النت، تبحث عن قشة تتعلق بها، تُنَفِّس عمّا في النّفس..!!!!
لست ألوم العدو المتربّص، ولا أمتدح ذكاؤه ومعرفته من أين تُؤكَل الكتف؛ وإنما ألوم من جعل من نفسهم إناءً بل قمامة تستقبل كلما هبّ ودب، ألوم من جلب هذا البلاء لنفسه وداره، ويستصرخ اليوم: وااااامُنقِذاه..!!!!
قبل سنوات كان أئمة المساجد والعلماء يستصرخون، ينادون، يحذرون، من هذه الأطباق الفضائية، ولاقت الدعوى حينها تسفيهًا من البعض واستخفافا، واليوم هم من يدفع الثمن بشهادتهم، فأطفال الأمس، أصبحوا كبارًا اليوم، و ضاعت القيم، وتثبطت الهمم، وشُغِلَ فراغُهم بالعفن و مُلِئَت بطونهم من النّهَم..!!!!