فهرس الكتاب

الصفحة 15032 من 27345

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين، أما بعد: -

ففي خِضم الثورة العلمية الواسعة في زماننا هذا، والتطور التكنولوجي الهائل الذي لا يزال يتسع يومًا بعد يوم، والذي أعقب ذلك تطورًا في وسائل الاتصال بين الشعوب، حتى أصبحت وسائل الإعلام - سواء كانت صحفًا ومجلات، أو قنوات فضائية مشفرة وغير مشفرة، أو مواقع في الانترنت أو غيرها ..- أصبحت من أهم الأسباب لقيام ونهوض الأمم والدول، وحتى أقيمت الحروب والمعارك الحامية، أو أخمدت بهذه الوسائل، وأصبح البعيد قريبًا، وأصبح شبه المستحيل ممكنًا، وأصبح العالَم اليوم كقرية واحدة، وأصبح اتصال الشرق بالغرب والشمال بالجنوب أمرًا حاصلًا في غمضة عين، وأصبحت هذه الوسائل الوسيلة العظمى في إظهار الحضارات وتبادل الأفكار والمعلومات، بل وأصبحت من الوسائل الهامة في التربية والتعليم، بل إن التربية والتعليم قد أوكِل إليها في كثير من الأحيان، ولقد نُشِر في هذه الوسائل من الجرائم والمصائب والصور الفاضحة ما يندى له الجبين، ولكنّ بعض الغيورين على دينهم قد انبرى لهذه الوسائل، وأقام منابر للدعوة والتعليم ونشر الدين عبر هذه الوسائل، واستدعى الأمر - في بعض الأحيان- إلى ظهور النساء وتصدُّرِهن في هذه المنابر الدعوية والعلمية، وإقامتهن للبرامج والندوات، وربما استدعى الأمر - في بعض الأحيان - إلى الأسفار والرحلات؛ وعليه فقد احتاج الأمر إلى بيان وضبط بضوابط الشرع، حتى لا تقع هذه المنابر فيما وقع فيه غيرها من التبرج والسفور، وحتى تقوم هذه المنابر بالدور الفاعل والمهم في نشر الإسلام لسائر شعوب الأرض، وإظهاره بالصورة الحقيقية والمرضية لله رب العالمين، وانطلاقًا من هذا الأمر فقد طُلِب مني أن أبيِّن حكم ظهور ومشاركة المرأة التي تدعو إلى الإسلام في هذه الوسائل الحديثة، فاستجبت لهذا الطلب بما فتح المولى عليّ من العلم، فأقول مستعينًا بالله رب العالمين، وهو الهادي إلى سواء السبيل، وعليه اتكالي واعتمادي:

إن الأصل هو قعود المرأة في بيتها وعدم خروجها إلا لحاجة، قال تعالى: ? وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الأُولَى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكَاةَ وَأَطِعْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا ? [الأحزاب:33] ، قال القرطبي: (معنى هذه الآية الأمر بلزوم البيت، وإن كان الخطاب لنساء النبي - صلى الله عليه وسلم - فقد دخل غيرهن فيه بالمعنى، هذا لو لم يرد دليل يخص جميع النساء كيف والشريعة طافحة بلزوم النساء بيوتهن والانكفاف على الخروج منها إلا لضرورة؟) (1) ، عن أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: أتين النساء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقلن: يا رسول الله ، ذهب الرجال بالفضل والجهاد ، فمرنا بعمل ندرك به فضل الجهاد في سبيل الله ، فقال:"مهنة إحداكن في بيتها، تدرك به عمل المجاهد في سبيل الله" (2) وقد ذكر القرطبي أن سودة - أم المؤمنين رضي الله عنها - قيل لها:لم لا تحجِّين ولا تعتمرين كما يفعل أخواتك؟! فقالت: قد حججت واعتمرت، وأمرني الله أن أقرَّ في بيتي. قال الراوي: فوالله ما خرجت من باب حجرتها حتى أُخرِجت جنازتها (3) ،فهذا هو الأصل، إلا أن المرأة يمكن أن تخرج من بيتها للحاجة؛ ومنها: إظهار شعائر الدين، قال ابن كثير في الآية المتقدمة: ( أي إلزمن بيوتكن فلا تخرجن لغير حاجة، ومن الحوائج الشرعية الصلاة في المسجد بشرطه) (4) ، فقد اعتبر إظهار شعائر الدين - ومنها الصلاة - من الحاجة التي يمكن للمرأة الخروج من أجلها، ولكن بشرطه.

ومن الحاجة التي يمكن للمرأة أن تخرج من بيتها لأجلها: حضور مجالس العلم والعلماء، عن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: جاءت امرأة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله ذهب الرجال بحديثك فاجعل لنا من نفسك يومًا نأتيك فيه تعلمنا مما علمك الله. قال:"اجتمعن يوم كذا وكذا"، فاجتمعن فأتاهن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعلمهن مما علمه الله، فوعدهن يومًا لقيهن فيه، فوعظهن وأمرهن، فكان فيما قال لهن:"ما منكن من امرأة تقدم بين يديها من ولدها ثلاثة إلا كان لها حجابًا من النار."فقالت امرأة: واثنين واثنين واثنين؟ فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"واثنين واثنين واثنين" (5)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت