كما أن من الحاجة التي يمكن للمرأة أن تخرج من بيتها لأجلها: طلب الرزق والمعاش، إن لم تجد من ينفق عليها، أو كانت النفقة - المقدور عليها - غير كافية، ولكن ذلك أيضًا بضوابط وشروط بطريق الأولى والأحرى، عن أسماء بنت أبي بكر - رضي الله عنها - قالت:"تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شي غير ناضح وغير فرسه فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه وأعجن ولم أكن أحسن أخبز وكان يخبز جارات لي من الأنصار وكن نسوة صدق وكنت أنقل النوى من أرض الزبير التي أقطعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم- على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ فجئت يوما والنوى على رأسي فلقيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومعه نفر من الأنصار فدعاني ثم قال ( إخ إخ ) . ليحملني خلفه قاستحييت أن أسير مع الرجال وذكرت الزبير وغيرته وكان أغير الناس فعرف رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أني قد استحييت فمضى فجئت الزبير فقلت لقيني رسول الله -صلى الله عليه وسلم - وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه فأناخ لأركب فاستحييت منه وعرفت غيرتك فقال والله لحملك النوى كان أشد علي من ركوبك معه قالت حتى أرسل إلي أبو بكر بعد ذلك خادم يكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني" (6) .
والحاصل أن الأصل أن تقر المرأة في بيتها إلا إن وجدت حاجة لخروجها كأن تخرج لإظهار شعائر الدين - ومثله الدعوة إليه -، ولحضور مجالس العلم والعلماء - على العموم -، وكطلب الرزق والمعاش، إن لم يوجد من الرجال من يكفيها ذلك، ومثل ذلك ما كان لأجل ضرورة كخروجها للعلاج ونحوه... ففي هذه الحالات لا مانع من خروجها، ولكن ذلك مشروط بشروط وضوابط، فمتى التزمت المرأة بها جاز خروجها - لما تقدم - وإلا فلا. وإليك بيان هذه الضوابط.
ضوابط خروج المرأة من بيتها عند الحاجة:
1.أن تغضَّ من بصرها، وأن تحفظ فرجها عن الفواحش، وعما لا يحل لها، وعن الزنا (7) ، قال تعالى: ? وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ ? [النور:31] عن نبهان مولى أم سلمة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها ولميمونة، وقد دخل عليها ابن أم مكتوم:"احتجبا"، فقالتا: إنه أعمى. قال:"أفعمياوان أنتما، ألستما تبصرانه" (8) ، وعن معاوية القشيري - رضي الله عنه - قال: قلت يا رسول الله: عوراتنا ما نأتي منها وما نذر ؟ قال"احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك"قال: الرجل يكون مع الرجل ؟ قال"إن استطعت ألا يراها فافعل"قلت: فالرجل يكون خاليًا ؟ فقال"الله أحق أن يستحيا منه من الناس"، (9) وأخرج الحاكم وصححه عن حذيفة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"النظرة سهم من سهام إبليس مسمومة، فمن تركها من خوف الله أثابه الله إيمانًا يجد حلاوته في قلبه" (10)
2.ستر شعرها وعنقها وقرطها (11) ، عن عائشة - رضي الله عنها - زوج النبي - صلى الله عليه وسلم - أنها قالت: يرحم الله النساء المهاجرات الأول ! لما أنزل الله ? وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ ? [النور:31] شققن أكثف مروطهن (12) ، فاختمرن به.
3.ألا تسعى في الأرض بالفتنة، نحو أن تضرب رجلها بالأرض لتفتن الناس، قال تعالى: ? وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ ? [النور:31] ، قال الطبري: (أي لا تضرب المرأة برجلها إذا مشت؛ لتسمع صوت خلخالها، فإسماع صوت الزينة كإبداء الزينة وأشد، والغرض التستر.. وسماع هذه الزينة أشد تحريكًا للشهوة من إبدائها، قاله الزجاج) (13) .
4.ألا تتعطر ولا تتطيب عند خروجها من بيتها فيجد الرجال - عمومًا - ريحها (14) ، عن أبي موسى - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال:"كل عين زانية، والمرأة إذا استعطرت فمرت بالمجلس فهي كذا وكذا يعني زانية" (15)
5.عدم التبرج والاختلاط، ويدخل في ذلك أيضًا ألا تمشي في وسط الطريق (16) ، عن أبي أسيد الأنصاري- رضي الله عنه - أنه سمع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول وهو خارج من المسجد، وقد اختلط الرجال مع النساء في الطريق، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للنساء:"استأخرن؛ فإنه ليس لكن أن تحتضِنّ الطريق، عليكن بحافات الطريق"، فكانت المرأة تلصق بالجدار؛ حتى إن ثوبها ليتعلق بالجدار من لصوقها به" (17) "