د. محمد عمر دولة*
مِن نِعَِمِِ الله علينا: أنْ يُقبِلَ بِقُلُوبِِنا على مَعرفةِ نِعَمِه العظيمة؛ حتى نشعرَ بهذه الرحمةِ الواسِعة ونُحِسَّ بهذه النِّعمةِ السابِغةِ البالِغة؛ وتلك رحمةٌ لا يُؤتاها إلا الموفَّقُون، ونِعمةٌ لا يُلَقَّاها إلا ذو حَظٍّ عظيم!
ولله دَرُّ صاحبِ الظِّلالِ؛ ما أحْسَنَ تَعْبِيرَه عن هذا المعنى بقولِه:"مِنْ رَحمةِ الله أنْ تُحِسَّ بِرَحمةِ الله؛ فرحمةُ اللهِ تَضُمُّك وتَغْمُرُك وتَفِيضُ عَلَيْك؛ ولَكِنْ شُعُورُك بِوُجودِها هو الرَّحمةُ، ورَجاؤك فيها وتَطَلُّعُك إليها هو الرَّحمةُ، وثِقَتُك بها وتَوَقُّعُها في كلِّ أمْرٍ هو الرَّحمة"! [1] فكَم مِن رحمةٍ سابِغةٍٍ لا يشعُرُ بها الناسُ، ولا يَقْدِِرُونَها حقَّ قدرِها، ولا يُلْقُون لها بالًا! وهم يسبحون في عُبابِها صباحَ مساء! فالشُّعُورُ الصادِقُ بأنَّ هذه النعمةَ مِن عندِ الله، وأنه لولا فَضلُه وكرَمُه وإحْسانُه لِعَبِيدِِه ما كانت: هو الرحمةُ والنعمةُ والسَّعادةُ!
وكأيِّن مِِن رجلٍٍ يَمُرُّ على قولِ الله عزَّ وجَلَّ: (وما بِكُم مِن نِعمةٍٍ فمِنَ الله) ! [2] ثم لا يذكر نعمةً من نِعَمِ الله عليه؛ فضلًا عن أن يَشْكُرَه عليها! والله المستعان!
وقد روى أبو هريرةt عن رسولِ اللهr أنه قال: (لا يُنْجِي أحدًا منكم عَملُه فقال رجل: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ فقال: ولا أنا؛ إلا أنْ يَتغَمَّدَني الله برحمته؛ ولكن سَدِّدُوا) . [3] وفي روايةٍ: (سَدِّدُوا وقارِبوا واعلموا أنَّ أحدًا منكم ليس بِمُنجِيهِ عَملُه قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا؛ إلا أنْ يَتغمَّدَني الله برحمتِه) . [4] وفي رواية: (ما مِنكم أحَدٌ يُنْجِيهِ عَمَلُه، قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: ولا أنا؛ إلا أن يتغمَّدنِي الله برحمةٍ منه؛ سَدِّدُوا وقارِبُوا وقَرِّبُوا ورُوحُوا واغْدُوا وشيءٌ من الدُّلْجة والقَصدَ القصدَ تَبلُغُوا) . [5] وفي رواية: (لن يَلِجَ الجنةَ أحَدٌ بِعَملِه! قالوا: ولا إياك يا رسولَ الله؟ قال: ولا إياي؛ إلا أن يتغمَّدَني الله برحمتِه، أو تسعَنِي منه عافِيَته) . [6]
وروى أبو سعيد الخدريt قال: قال رسولُ اللهr: (لن يَدْخُلَ الجنةَ أحَدٌ إلا بِرِحْمَةِ الله. قُلنا: يا رسولَ الله ولا أنتَ؟ قال: ولا أنا إلا أنْ يَتغَمَّدَنِي الله بِرَحْمَتِه، وقال بِيَدِه فوقَ رأسِه) . [7]
وعن جابرt قال: قال رسولُ اللهr: (قارِبُوا وسَدِّدُوا؛ فإنه ليس أحدٌ مِنكم يُنجِيهِ عَمَلُه قالوا: ولا إياك يا رسولَ الله؟ قال: ولا إياي إلا أنْ يتغمَّدَنِي الله برحمتِه) . [8] وفي رواية: (قارِبُوا وسَدِّدُوا؛ فإنه لم يُنْجِ أحدًا عَمَلُه، قالوا: ولا أنتَ يا رسولَ الله؟ قال: فوضع يدَه على رأسِه، وقال: ولا أنا إلا أن يتغمَّدَني الله برحمته) . [9]
وروى أسد بن كرز بن عامر بن عبقر القسري قال: قال رسول اللهr (لا يدخل الجنةَ أحدٌ بِعَمله؛ ولكن برحمةِ الله. قلت: ولا أنتَ يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتلافاني الله أو قال: يتغمَّدَني الله بِرَحْمَتِه) . [10]
لو تأمَّلْنا هذا الحديثَ بهذه الألفاظِ المتعدِّدة الثرِيَّةِ بمعاني الحمدِ؛ (إلا أن يتغمَّدَني الله برحمتِه، أو تسعَنِي منه عافِيَته) . ويسألr عن نفسِه؛ فيقول: (ولا أنا إلا أن يتلافاني الله أو قال: يتغمَّدَني الله بِرَحْمَتِه) ! لَوَجَدْناه يَفِيضُ علينا بِيَنابيعِ التواضُع؛ فهذا رسولُ اللهr وخيرُ خلقِ الله وإمامُ المتقين وسيدُ المرسَلِين ورَحمةُ الله للعالَمِين المعصومُ من الذنوبِ والشفيع في العالَمين يشهد بأنَّ الله عزَّ وجَلَّ هو المتفضِّلُ عليه، فهو لا يستَغنِي عن بَرَكَتِه؛ بل يَفتقِرُ إلى رحمتِه؛ فكيف بِالعُصاةِ المذنِبِين الذين لا يَدْرُون هل غُفِر لهم ما تقدَّم من ذنبهم؟
فوالله لو قِيسَتْ أعظمُ أعمالِنا بِفَضلِ اللهِ عزَّ وجلَّ علينا؛ لكان فَضلُه تعالى أعَمَّ وأعظم! فإنه تبارك اسمُه وتعالى جَدُّه المتفضِّلُ علينا بتوفِيقِنا للقيامِ بهذه الأعمالِ، وتَذْلِيلِها لنا وتَيْسِيرِها حتى نتمكَّنَ ِمن أدائها، ثم إعانتنا عليها بِحِفْظِها مِن الصَّوارِفِ والشَّواغِلِ، وصِيانَتِها مِن القوادِح؛ ثم التفضُّل بِقَبولِها، والتجاوُز عما فيها من القُصُور!
إنَّ تَمامَ مَعْرِفَتِنا بالنِّعَم.. وإدراكَنا لعظيمِ حقِّ الله علينا في شُكرِها؛ لَيَملأ قلوبَنا بروحِ التواضُعِ لله عزَّ وجلَّ والانكسار له تبارك وتعالى؛ إذْ إنَّ مَعْرِفََتَنا لِهذه النِّعَمِ العظيمة والآلاءِ الجسيمةِ تُساعِدُنا على إدراكِ فَضلِ الله علينا، ويَقِينِنا بالتقصيرِ في شُكرِ الله عزَّ وجَلَّ على كلِّ هذه النِّعَم السابغة البالغة!