يوسف الحجيلان 25/12/1423
مع كل مذبحة تجد ولا جواب سوى العويل
مع كل جرح في جوانح أمتي أبدًا يسيل
مع كل تقتيل وتشريد لشعب أو قبيل
يأتي يسائلني صديق من بلادي ما السبيل ؟
ما يبرق أمل وينفك ألم ويندمل جرح من جروحنا -أو يكاد يندمل- إلا وتثعب جراحات وتصاب مقاتل وتقطع أوصال وتداس قيم وتذل هام وتوأد همم .
في وضعية عجزت أو تعجز ريشة رسام محترف تشكيل وجه خيالي لحكاية من تعيس حكايات البائسين يشبه وجه الأمة ويحاكي بؤسها .
صار الرقم ضخمًا حتى مللنا -أو قل عجزنا- معه عن مجرد السرد التأريخي لجراحنا .
فصار النائح يكتفي بالجديد الباقي عن التليد البالي من غوائل القدر على أمة الإسلام، وكأن فسيح الأرض ضاق ورحبها قصر وشعابها وسهولها وحزنها، عجز أن يستوعب، فلم يبق إلا أرض الإسلام محط رحل البلاء وملاعب الشقاء ومتحف الأشلاء وواحة الدماء ودار المأتم والعزاء .
اللهم لا أسألك رد القضاء ولا أعترض .
فيا أرض القادسية !
أهي لعنة دم الحسين لا يزال يبوء بوزرها المسحوقون على أرضك ؟
أهو جرم ابن زياد في القرن الأول يبوء به طفل القرن الخامس عشر ؟
أهي ليالي كربلاء المشؤومة يقتص لها غيارى واشنطن ؟
ما انفكت الرزايا والإحن، والبلاءات والمحن تترى على أرض السواد كلما تقشع غمام انعقدت سحب، وكلما هدأت ريح هب عاصف، وكلما تنفس صبح ادلهمّ ليل .
في غمرة واقع مرير وسواد حالك وأيام نحسات سيطرت فيها النظرة التشاؤمية إلى حد نسينا أو تناسينا أعراس القرن الثاني، وأفراح القرن الثالث وأساطير المجد وأيام السؤدد على تلك البقعة من خارطة الأرض المكلومة .
بغداد هل نسينا صليل سيوف القادسية وأيام القعقاع وسعد وعمرو بن معدي كرب ؟
بغداد ألم يتبختر أبو جعفر المنصور سلطانًا دوخ جبابرة الأرض وساداتها ؟
بغداد ألم يتحدَّ الرشيد السحاب والأرض خاتمًا في أصبعه يجبى إليه خراجها، وتساق إليه بنات ملوكها بضائع تباع في سوق النخاسة ؟
بغداد ألم يرتعد أنف المعتصم ويزأر في سبعين ألف ليث كاسر، فيدكدك عمورية ويذل الصرب ويستبيح بيضة أوروبا ؟
نعم إنها الأرض التي استهل عليها صلاح الدين صارخًا .
يستقل إليها بوش غازيا في سخرية واضحة للمثلات .
وتلك الأيام نداولها بين الناس .
أما آن لصوت العرب أن يزأر ؟
أما آن لعزة الإسلام أن تثأر ؟
أما آن للحمية الإسلامية والنخوة العربية أن تختط لنفسها مكانًا في هذا العالم ما عاد لنا بارقة أمل في حلكة ليل المأساة ؟
وما عاد لصوتنا ولا رجع صدى، وسط الصراخ والعويل والتفجير والتدمير .
غضبات وتوعدات ومؤتمرات وتهديدات وإمكانية تحريك للجيوش من أجل الماء المتدفق من الفرات أو الوزاني أو اليرموك ولا بأس .
لكن لا مجال للتفكير مجرد التفكير بعقد مؤتمر يؤتي أكله سلفًا مذكرة احتجاج أو رسالة شجب واستنكار .
يوم أن تتدفق دماؤنا شلالات تكفي لتعويض النقص في المياه فتسقي شجرة الحقد التي ضربت في أرض العرب، فأصلها ثابت في كل ذرة من ذرات التكوين العضوي لنا، وفرعها سامق في السماء يغطي كل بارقة أمل، ويحجب كل شعاع شمس أو خيوط ضوء قمر، ويمنع كل نسمة هواء يمكن أن تحيي الحلم بمستقبل أقل سوءًا من واقع فاق تخيلات أكثر المتشائمين تشاؤمًا حتى أعجزت بشاعته قريحة المعري وأقلام كتاب القصص البائس .
في خليط بلايا متجانس أنتج واقعًا: ما استهل فيه مولود إلا وكان مرشحًا ليصير في يوم من الأيام لغمًا موقوتًا وقطعة بلاء، وما قطع فيه حبل سرة إلا ورشح ليكون حبل مشنقة، وما أنَّت فيه والدة إلا ورشح أنينها صراخ نوائح وأنات معذبين، ثلاث أثافي من البلاء يمكن أن يطال نيرها كل من كانت له يد في هذا الواقع البشع الرهيب، لأمة مكلومة طالما كانت وكانت وكانت ...
ثم صارت في تحول درامي ربما لم يبق واقعه من ماضيه إلا حدود ما يبقى من جينات وراثية، تجعل من الممكن أن يكون مولود بغداد اليوم يمت إلى مولود بغداد الأمس بصلة .
فيا غارة الله غذي السير مسرعة ... ...
لحل عقدتنا يا غارة الله
انتفض"ماوسيتنج"فبنى لأمة الصين مجدًا وأعاد سؤددا .
وثار"غاندي"فطرد الغزاة وأعاد هيبة تاج محل ودلهي .
وما زال الدلاي لا ما ينسج خيوط علم التبت .
وصبر"مانديلا"وصابر حتى سوَّ الأسود وأذلَّ الأبيض .
وحتى الكوريون الشماليون وهم اللاشيء في التأريخ مرغوا أنف الأمريكان، وأذلوا البنتاغون وداسوا هيئة الأمم .
وفي وطني توأد عظمة عمر المختار وعز الدين القسام وابن باديس والعشرات العشرات غيرهم .
ونبقى عبيد عقدة الحروف الثلاثة [س ل م] .
وغيرنا أحرار عزة الحروف الثلاثة [ح ر ب]