د. لطف الله بن عبد العظيم خوجه 23/9/1425
ما خُلقنا سدى، ولا خلقنا الله عبثا.. كلا، بل لمهمة عليا، وهدف أسمى،: لنعمر بالخير الأرض، ونعبد بالتوحيد الرب.
كلنا يعلم ذلك علما، وقليل من يعلم ذلك عملا..!!.
خلقنا: لنعمل.. لنكدح، ونكدّ ونتكبد، ونسعى، وليس للإنسان إلا ما سعى، وإن سعيه سوف يَرى.
- {لقد خلقنا الإنسان في كبد} .
- {يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه} .
هذا العمل هو الآفة والصحة، وهو الشر والخير.. والإنسان هو من يختار، فقد جعل الله له عينين، ولسانا وشفتين، وهداه النجدين، وعليه اقتحام العقبة، فلا نجاة إلا باقتحام هذه العقبة.
والعقبة: شح النفس، وأمرها بالسوء، وسرعتها في الهلع والجزع.
-فاقتحام عقبة الشح: بالصدقة: بفك الرقبة، والإطعام في يوم ذي مسغبة: يتيما ذا مقربة، أو مسكينا ذا متربة.
-واقتحام عقبة سوء النفس: بالإيمان بالله، واليوم الآخر.
-واقتحام عقبة الهلع والجزع: بالصبر، والمرحمة.
فمن تجاوز هذه العقبة، واقتحمها: تجاوز عقبة جهنم. [قيل جبل في جهنم]
كل الناس يعملون:
-المؤمن يعمل، والموحد يعمل، والمخلص يعمل، والعادل يعمل، والصالح يعمل.
-الكافر يعمل، والمشرك يعمل، والمنافق يعمل، والظالم يعمل، والفاسق يعمل.
لكن شتان ما بينهما، في الموضوع والجزاء.!.
-هذا عمل لله، وهذا عمل لغير الله.
-هذا أراد الآخرة، وهذا أراد الدنيا.
-هذا له الجنة، وهذا له النار.
هذا هو الفرق، لا غير ..!!.
رأى عمر بن الخطاب رضي الله عنه راهبا من النصارى، معتزلا في صومعة، يتعبد، فبكى وقال:
"رأيت هذا، فتذكرت قوله تعالى: {عاملة ناصبة * تصلى نارا حامية} ".
لأنه كان يعمل لغير الله تعالى، {وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباءا منثورا} .
كان عبد الله بن جدعان رجلا سخيا، فقالت عائشة رضي الله عنها:"يا رسول الله!، ابن جدعان كان في الجاهلية، يصل الرحم، ويطعم المسكين، فهل ذاك نافعه؟، قال: لا ينفعه، إنه لم يقل يوما: رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين". [مسلم في الإيمان، باب:من مات على الكفر لا ينفعه]
لا ينجو إلا العامل لله تعالى وحده، فلا العمل وحده ينفع، ولا الإخلاص وحده ينفع، والناس صنفان:
-صنف يعمل، ولله عمله. فهذا المفلح الفائز.
-وصنف يعمل، ولغير الله عمله. وهذا الخاسر.
فالعامل لله له: أجر الدنيا. وله: أجر الآخرة.
وأما العامل لغير الله تعالى، فلا ندري ما له ؟!!.
أما الآخرة فلا نصيب له فيها، وأما الدنيا فقد، وقد !!.
قد يكون له فيها نصيب، وقد لا يكون له فيها نصيب.
-ففي آية من القرآن: أخبر أن له نصيبا كاملا، مستوفى، بغير بخس.
-وفي أخرى: أخبر أن له بعض النصيب، لا كله.
-وفي ثالثة: أن ليس له أي شيء !!.
* فقال تعالى في الأولى:"من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون أولئك الذين ليس لهم في الآخرة إلا النار وحبط ما صنعوا فيها وباطل ما كانوا يعملون". فهذه حالة الوفاء الكامل، من غير بخس.
* وأما حالة النصيب القليل فقال تعالى فيها: {من كان يريد حرث الآخرة نزد له في حرثه ومن كان يريد حرث الدنيا نؤته منها وما له في الآخرة من نصيب} ..فقال: {نؤته منها} .
* وأما حالة الخسارة الكاملة، لا ينال أجر دنيا، ولا آخرة، فقال تعالى فيها: {من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم يصلاها مذموما مدحورا } . فليس كل من أراد الدنيا: ينالها. بل منهم من لا ينال شيئا، ولذا قال: {لمن نريد} ، فثمة من لا يريد الله أن يعجل له شيئا من الدنيا، ولو سعى لأجلها، ومن عجل له فلا يعجل له كل ما يرجو، بل بقدر ما شاء الله تعالى: {عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد} .
إذن لم يعد الحكم كما كان في الأول:
-حالة الوفاء الكامل، لكل من عمل للدنيا.
-بل صار إلى الحالة الثانية: حالة النصيب القليل.
-ثم صار إلى الحالة الثالثة والأخيرة، واستقر عليها: حالة الخسارة الكاملة.
فمن طلب الدنيا، وعمل لغير الله تعالى: هو مهدد بحرمان الدنيا نفسها، التي سعى لأجلها، كما حرم أجر الآخرة. ولأجل ذا جاء عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن هذه الآية: {ما نشاء لمن نريد} ، ناسخة لآية: {نوف إليهم أعمالهم فيها} . [انظر: تيسير العزيز الحميد، باب: من الشرك إرادة الدنيا بعمل الآخرة] .
ليس شيء أفظع من وعيد الله تعالى: موعظته تخلع القلوب. فكيف بتخويفه؟.
- {قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين * لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده يا عباد فاتقون} .
سمع جبير بن معطم رضي الله عنه - وكان إذ ذاك مشركا - النبي صلى الله عليه وسلم يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ قوله تعالى: {أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون} ، قال:"كاد قلبي أن يطير". [رواه البخاري في تفسير الطور]