الكاتب: الشيخ د.سعيد بن ناصر الغامدي
يشي هذا العنوان - كما فهمت - بأن الحديث عن البدعة في عصر العولمة من نافلة القول أو من ساقطه، ورُبَّما كان ورود مثل هذه الفكرة الساخرة في هذه القضية وأمثالها سببًا تسويفيًا في إسقاطات فكرية واجتماعية وثقافية تُمارس بلا وعي، وتدخل صاحبها والمتأثر به في فوضى وضبابية لايدري بعدها أين يتجه.
العولمة تعني عند المعجبين بها والخائفين منها من غير الواعين لها ولجذورها تعني حالة جبرية لايُمكن الانفكاك منها، وبذلك تصبح -عندهم- مفهومًا شموليًا ضارب الأطناب واسع الأرجاء، يُمكنه بكل بساطة أن يستوعب أو يضم كل مخالف له من مبدأ أو فكرة أو كيان.
وهذا تصنيم للعولمة ودينونة خضوعية لمتطلباتها وأدواتها والقوى القائمة خلفها، دينونة قائمة على الخوف منها أو الإعجاب بها والحب لها.
ومن هنا يقع الارتباك عند البعض ويبين ما يؤمن به دينًا، وما استقر في ذهنه عن العولمة فكرًا وممارسة، ينتج من هذه الحالة الحالة غياب الضوابط والمعايير الشرعية، ولذلك أسباب أظهرها:
1 -المعرفة السطحية بالدين والمعرفة المفصلة بفكر وثقافة الآخر.
2 -النفسية المشحونة بالخوف والاضطراب وضعف الثقة.
3 -السلوكيات الشخصية أو الكتابية الخاطئة من بعض المتمسكين بالدين والسلوكيات المائلة نحو الانفلات من المتأثرين بالتيارات والأفكار المستعارة.
فهذه ثلاثة أسباب أحدها ذهني عقلي والثاني نفسي شعوري والثالث عملي أدت -مع غيرها- إلى هذه الحالة المركبة التي يعيشها بعض أبناء الجيل، فهو يريد المواءمة في حالة إيمانه بالدين واحترامه له بين هذا الذي يؤمن به إجمالًا ويحترمه، وبين المعطيات الحديثة .
ومِمَّا يزيد حالة الارتباك هذه الخلط الهائل والخطير بين (( مقتضيات العصر وأهواء العصر ) )فمن لايعرف الفرق بين الأمرين يقع في حالات مضطربة ورؤى مشوشة وخيبات أمل كبيرة.
ومِمَّا نحن بصدده هنا قضية (( البدعة ) )حيث يوجد لبس كبير عند بعض المثقفين من التيارين (( الملتزم بالإسلام، والملتزم بغيره ) )وخلط عجيب بين البدعة والإبداع والتقنية والإبداع.
فهناك من يرى أن أي مسلك أو مهارة أو فكرة لايوجد عليها نص في القرآن والسنة فهي بدعة وضلالة، وبالتالي يجب أن تنفى وتطرح، وهناك من يرى أن أي مفهوم أو مذهب أو سلوك جديد ثبتت فائدته فإنه يجب أن يؤخذ ويعتنق.
وقد يستدل بعضهم في غمار تسويق الأفكار الحديثة المنافية للدين أو المخالفة له، بأننا قد استوردنا الحاسب والتلفاز والسيارة والطيارة، وأخذنا بها في المانع أن نأخذ منهم الأفكار والمفاهيم، وهنا أعود إلى التذكير بقضية الخلط بين (( لوازم العصر وأمراض العصر ) ).
ولقد ولدت هذه الأفكار حالات من الانفصام الشديد في المجتمعات الإسلامية أدت إلى تغيير حالة الأمة الوجدانية، ومن بين الشعارات والتعابير المتطرفة برزت ذهنية الإقصاء المتمثلة في منع المحجبات من الدراسة والعمل والملتحين من دخول الجيش وصاحب الميول الديني من الممارسات العامة (( والأمثلة كثيرة ومعروفة ) )، ومن المعروف اجتماعيًا أن المجتمع الذي تغيب عن ذهنه الضالة المنشودة للمعنى والمقصد الذي تكون منه وتركب على أساسه هو مجتمع ميت من حيث الجوهر.
ومن خلال الخمسين سنة الماضية تمكنت تلك التيارات من تكسير بعض مفاهيم الصلب الاجتماعي وتهشيم فقاره، ولولا بقية باقية من أهل المنهج السليم لكانت الكارثة أكبر.
ومن هذه المفاهيم مفهوم (( البدعة ) )التي رُبَّمَا أصبح الحديث عنها في غمار وطيس تحقيق الهوية والانتماء الأساسي من نافلة القول.
فهناك من يستبعد قضية الهوية من الأصل، ويعتبر التعلق بها سببًا للتخلف، وهناك من يعادي هوية الأمة وروحها، وهناك وهناك ممن تطرفوا في المناوأة والاغتراب.
وهناك من استقرت عنده مسألة هوية الأمة وروحها ولكن يأتيه الغبيش من مسارب الشفيرات العديدة في التفكير والمعرفة الحديثة ومن سلطان المفاهيم العلمية والتقنية وضعف معرفته بالبوصلة الأصلية.
ومِمَّا ينبغي معرفته أن قضية البدعة مرتبطة في الأصل بمفهوم الدين ومفهوم العبودية لله رب العالمين، فالدين يعني الدينونة الكاملة لما جاء من عند الله تعالى من وحي ثابت، والعبودية تعني خضوع العبد لأمر الله سبحانه في كل شأن من شؤونه ، وعلى هذا فإن أية زيادة في الدين أو نقصان منه أريد بها التعبد لله تعالى فهي بدعة مردودة على صاحبها.
وبهذا المفهوم الراسخ ينضبط نظام التدين عند الناس ، ولايبقى شيء من ذلك خارج السلطة الدينية الشاملة الكاملة ، والبدعة بهذا المفهوم تعني كل ما فعل أو ترك بقصد القربة إلى الله تعالى مِمَّا ليس له أصل في الدين سواء كان من قبيل العبادات أو المعاملات أو العقائد أو العادات.