الحلقة الثالثة
*أحمد الخطيب
يتجه العالم اليوم نحو التكتلات والتجمعات بحيث لم تعد الدول الصغيرة والضعيفة بقادرة على العيش من دون الاعتماد على الدول الأخرى، وفي المقابل نجد البلدان الإسلامية تسير نحو المزيد من الضعف والتفكك والتشرذم مع العلم بأن الإسلام يدعو إلى التوحد.
إن وحدة المسلمين السياسية هي نتاج طبيعي لوحدتهم العقائدية، ولقد قرَّرَ الرسول e هذه الوحدة منذ اللحظة الأولى لبناء الدولة الإسلامية فوضع منهاجاً حدَّدَ من خلاله هوية الأمة والدولة، وتوحد المسلمين على أساس الإسلام وقد عبَّرت الصحيفة التي كتبها الرسول e للمسلمين في المدينة عن هذا المعنى فقال:"بسم الله الرحمن الرحيم. هذا كتاب محمد النبي بين المؤمنين المسلمين من قريش ويثرب ومن تبعهم فلحق بهم وجاهد معهم، أنهم أمة واحدة من دون الناس". وقال:"وإن المؤمنين بعضهم موالي بعض دون الناس". وقال:"وإنكم مهما اختلفتم فيه من شيء فإن مرده إلى الله عزَّ وجل وإلى محمد رسول الله". وقال:"وإن سلم المؤمنين واحدة".
فهذه العبارات التي وردت في الصحيفة تدل بشكل قاطع على الوحدة السياسية للمسلمين بوصفها أمة واحدة من دون الناس، وتبين لهم مرجعيتهم وهي الله عز وجل ومحمد e أي الكتاب والسنة. ويؤكد هذا المعنى أيضاً قوله تعالى: وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُواْ وجميعاً هنا جاءت حال وليس توكيداً، ولو كانت توكيداً لكانت جميعكم. والمعنى في الآية يرشد إلى معنى الجماعة على إمام، لا على أكثر من إمام لكي لا تتفرقوا.
ثم إن هناك أحاديث تفيد الوحدة السياسية بشكل صريح وهي كثيرة أذكر منها:
•"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما".
•"من بايع إماماً فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع فإذا جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر". وفي رواية"فاضربوه بالسيف كائناً من كان".
إن مفهوم الجماعة في المصطلح الشرعي يفيد معنى الوحدة بشكل صارم لأن الجماعة تعني المسلمين الذين بايعوا إمامهم، فالجماعة فيها ثلاثة عناصر هي: أ- المسلمون. ب- الإمام. جـ- البيعة.
ومن الأدلة التي تبين تلك المعاني للجماعة ما جاء في حديث حذيفة الذي رواه مسلم عندما سأل الرسول e عن الشر مخافة أن يدركه أجابه الرسول e بالجواب القاطع وهو:"تلزم جماعة المسلمين وإمامهم". وما رواه النسائي وابن ماجة عن عمر t أن الرسول e قال:"فمن أحب منكم أن ينال بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة". وما رواه أحمد والترمذي والنسائي عن الحارث الأشعري عن الرسول e قال:"من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه إلى أن يرجع". وروى الدارمي عن عمر t قوله:"يا معشر العريب الأرض الأرض إنه لا إسلام إلا بجماعة ولا جماعة إلا بإمارة ولا إمارة إلا بطاعة". وما رواه الطبري عن سعيد بن زيد t قوله عن الصحابة:"كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة"، فمدلول لفظ الجماعة صريح في إفادته لمعنى وحدة المسلمين حول إمام واحد مبايع.
والدار داران: دار الإسلام وهي الدار التي يطبق فيها نظام الإسلام وأحكامه ولو كان جل أهلها من غير المسلمين. ودار الكفر وهي الدار التي يطبق فيها نظام الكفر وأحكامه ولو كان جل أهلها من المسلمين.
ودار الإسلام داران: دار عدل، وهي الدار التي بويع فيها الخليفة بيعة شرعية صحيحة على كتاب الله وسنة رسوله. ودار البغي، وهي الدار التي بويع فيها خليفة آخر بيعة غير صحيحة على كتاب الله وسنة رسوله.
والعلاقة بين الجماعة والدار أن الجماعة التي هي إمام بايعه المسلمون على الخلافة تكون في دار الإسلام ودار العدل.
وأدلة الدار كثيرة منها ما أورده الماوردي في الأحكام السلطانية وما ورد في الحاوي عن الرسول e أنه قال:"منعت دار الإسلام ما فيها وأباحت دار الشرك ما فيها"، وقوله e في الحديث المشهور:"... ثم ادعهم أن يتحولوا إلى دار المهاجرين"ودار المهاجرين هي دار الإسلام، فمعنى دار العدل ودار الإسلام مقترن بالجماعة ومعنى كليهما مقترن بالوحدة السياسية للمسلمين.
إن القومية ليست أساساً شرعياً يجمع المسلمين، فهو أساس يقوم على النعرات الجاهلية والعصبية، والرسول e يقول:"ليس منا من دعا إلى عصبية وليس منا من قاتل على عصبية وليس منا من مات على عصبية"، وكذلك الوطنية فهي أساس غير شرعي يجمع المسلمين لأنه يعتمد على التراب كأساس جامع لمن يعيش فوقه، وهذا أساس غير فكري بل هو أساس غريزي لا يستند إلا إلى مظهر الدفاع عن النفس في حالة وجود عدو خارجي فلا يصلح للربط في حالة الاستقرار فضلاً عن كونه يخالف الإسلام بوصفه رابطة بين الناس.