فهرس الكتاب

الصفحة 4661 من 27345

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله، نبينا محمد وآله وصحبه وبعد.

فلقد ورد ذكر الاستقامة في القرآن الكريم، في مواطن كثيرةٍ، مرةً بالأمر بها كما في قوله تعالى: )) فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ (((هود: 112) .

ومرةً بالثناءِ على أهلها، وذكر ما أعد لهم من الخير والثواب، كما في قوله تعالى:

)) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ ((( الأحقاف: 13) .

وكما في قوله تعالى: (( وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا ) ) ( الجن: 16 ) .

ومرةً بطلبِ الهدايةِ إلى الطريق المستقيم، كما في قوله تعالى: (( اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ ) ) ( الفاتحة: 6 ) .

كما جاء في السنة الحث على لزوم الاستقامة كما في قوله صلى الله عليه وسلم: (( قل آمنت بالله ثم استقم ) )1].

فما هو مفهوم الاستقامة وضابطه ؟

إن الاستقامة في أبسط معانيها، تعني لزوم الطريق المستقيم الذي لا اعوجاج فيه ولا ميل، ولا إفراط ولا تفريط.

وهذا لا يتأتى إلا باتباع الرسول- صلى الله عليه وسلم، والاستسلام لما جاء به من ربه عز وجل، وبالطريقة التي فهمها أصحابه- رضي الله عنهم- وساروا على نهجها، والإخلاص لله عز وجل فيها.

ولا تكتمل الاستقامة إلا بأمورٍ أربعة:

الأمر الأول: معرفة طريقها، والعلم بها، واستبانتها بالدليل الشرعي الصحيح.

الأمر الثاني: العمل بها، والتزام تطبيقها ظاهرًا وباطنًا.

الأمر الثالث: الدعوة إليها، والتواصي بلزومها، ومدافعة ما يضعفها ويعيقها.

الأمر الرابع: الثبات عليها، والصبر على لزومها، ومدافعة ما يضادها حتى الممات، دون زيادة ولا نقصان.

ولو تأملنا هذه الأمور الأربعة، لرأيناها هي المذكورة في سورة العصر.

والتي هي مقومات الاستقامة، وبالتالي هي أسباب الفوز والنجاة من الخسران، فمن كملها كلها فقد كملت استقامته، ومن لم يُكملها نقصت استقامته بحسب ذلك.

ولا يصدقُ وصف الاستقامة على عبدٍ إلاَّ بتحقيق أمرين كبيرين.

الأمر الأول: الاستقامة على أمر الله عز وجل ظاهرًا وباطنًا، بالإخلاص لله تعالى، ومتابعة لرسول الله - صلى الله عليه وسلم -في ذلك دون إفراط ولا تفريط، ولا جفاءٍ ولا غلو.

الأمر الثاني: الثبات على هذا الأمر وعدم اتباع السبل، والصبر على لزومه حتى الممات.

ونظرًا لأهمية التوسط بين الإفراط والتفريط في تحقيق الاستقامة، فإنَّهُ لا بُدَّ من تفصيل القول في هذا الضابط، وذلك لأن كثيرًا ممن يتحدث عن الاستقامة، لا يتطرق إلى أهمية التوسط في تحقيق وصف الاستقامة، وإنما يقصرُ أكثر الحديث عنها، على لزوم طاعة الله عز وجل وعدم التقصير فيها، والاستمرار على ذلك إلى الموت.

وقليلٌ منهم من يشير إلى أن مما يضاد الاستقامة أيضًا الغلو والزيادة، ولو كان بنية الطاعة والعبادة، فكما أنَّ مما يقدحُ في الاستقامة التفريط، وارتكاب المعاصي، فكذلك مما يقدح فيها الزيادة والطغيان، والغلو والإفراط.

قال الله عز وجل لنبيه صلى الله عليه وسلم: (( فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا ) ) ( هود: 112 ) .

ففهم من الآية أنَّ الزيادة والطغيان ممَّا يضاد الاستقامة، وبناءً على هذا الفهم الشامل للاستقامة، فإنَّ العبد مأمورٌ بالاستقامة في دينه كله، عقيدة وعبادة وسلوكًا، وأن يلزم الوسطية في كل أمور دينه، ويحذر من الميل إلى أحد الطرفين، طرف التفريط والتقصير، أو طرف الغلو والإفراط.

ولو تأملنا مذهب أهل السنة والجماعة، لرأيناه رمز الاستقامة في أبواب الدين كله؛ فهم وسطٌ في أبواب الاعتقاد بين الغالين والجافي،ن وفي أبواب العبادات بين المبتدعين الزائدين فيها، ما لم يأذن به الله عز وجل ، وبين المفرطين المضيعين لها من أهل الفساد والفجور، وكذلك في أبواب الأخلاق والسلوك فهم وسط في أخلاقهم بين الإفراط والتفريط إذ أن كل خلق محمود فهو مكتنف بخلقين ذميمين أحدهما غلو وإفراط والآخر تقصير وتفريط،

وهذا ما يوضحه الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى بقوله: »وكل خلق محمود مكتنَفٌ بخلقين ذميمين. وهو وسط بينهما. وطرفاه خلقان ذميمان، كالجود: الذي يكتنفه خلقا البخل والتبذير، والتواضع الذي يكتنفه خلقان الذل والمهانة، والكبر والعلو.

فإنَّ النفس متى انحرفت عن )التوسط « انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين ولابد، فإذا انحرفت عن خلق » التواضع«، انحرفت إما إلى كبرٍ وعلو، وإما إلى ذلٍ ومهانة وحقارة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت