الشيخ. مدثر أحمد إسماعيل*
مقدمة:
الحمد لله الذي أكمل لنا ديننا وأتمّ علينا نعمته، ورضي لنا الإسلام دينًا فقال سبحانه: (اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينًا) [سورة المائدة: 3] ، وأمَرَنا أنْ نَستَهدِيَه صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. فقال: (وأنّ هذا صراطي مستقيمًا فاتّبعوه) [سورة الأنعام: 153] ، ونهانا عن اتّباع سُبُل المغضوب عليهم و الضالين، فقال: (ولا تتبعوا السبل فتفرّق بكم عن سبيله) [سورة الأعراف: 153] .
وأشهد أن لا إله إلاّ الله ، وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وسلم، أرسله بالدين القيّم والملّة الحنيفية، وجعله على شريعة من الأمر، أمر باتباعها فقال (ثمّ جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها) [سورة الجاثية: 18] ، وأمر أتباعه باتّباعها فأوحى إليه أنْ (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرةٍ أنا ومن اتبعني) [سورة يوسف: 108] .
فمن اتّبَع هُداه فلا يضلّ ولا يشقى، ومن أعرض فإنّ له معيشةً ضنكًا.
أما بعد.
فإنّ القرآن هو كتاب الله إلى هذه الأمّة المحمّدية، وقد حوى القول الفصل. وما هو بالهزل، فيه نبأ من قبلنا، وخبر ما بعدنا، وحكم ما بيننا.
ومن أكثر من تحدّث القرآن عنهم وأنبأنا من أخبارهم اليهود. فلم يهتمّ القرآن بقوم اهتمامه ببني إسرائيل. فقد ورد ذكرهم قريبًا من اثنتين وأربعين مرّة، (فلا تجد في كتاب الله أُمَّة طال الحديث عنها وتنوع قَصَصُها مرةً بعد مرة كهذه الأمَّة فضح الله خبايا نفوسها وخبيث طباعها وعداوتها للعالمين أجمعين،وحقدها على أهل الخير والحق في كل زمان ومكان حتى الملائكة المطهرين) [الحوالي، سفر بن عبد الرحمن، القدس بين الوعد الحق والوعد المفترى، ص: 6، طبعة مكتبة السنة] فلم يعد أمر اليهود خافيًا على المسلم الذي يقرأ القرآن يتدبّره ويُصدِّق بما جاء فيه من أخبار. وفي هذه الأسطر عرض واقعي وبحث استقرائي لخُلُقٍ من أخلاق اليهود له أثره في تعايشهم مع غيرهم من الأمم، ولا شكّ أنه أثرٌ سلبي، على الأمم ألا وهو خُلق الغدر والخيانة، ونقض العهود ونبذ العقود الذي جاء ذكره مُكرّرًا ومُفصّلًا في كثيرٍ من سور القرآن التي تحدّثَت عن بني إسرائيل كالبقرة، والأعراف، والإسراء، وغيرها.
1-صفات اليهود الذين لعنهم الله وغضب عليهم:
لا يشك إنسان و لا يختلف اثنان في أنّ لليهود عطاءً في هذه الحياة ـ عطاءٌ متميّز، عطاء لا نهاية له ـ من سُوء الأخلاق وفساد الطويّة. والحقد والأنانية، والكبر والمكر والدهاء، والجمود والجحود والحجاج واللجاج، والتضليل والتدليس، والكفر والفِسق، والغدر والخيانة، ونقض العهود والوعود والمواثيق، والنِّفاق والجبن والقسوة. ومهما عدّدنا من مساوئ الأخلاق، فإنّ كلمة (يهودي) تفوقها بكثير. ويكفي أن نَصِفَ واحدًا من النّاس بأنّه يهودي لكي نفهم من وراء هذا الوصف كُلَّ ما لا يُحصى ولا يُعَد من الصفات الذّميمة.
من هنا كان اليهود هم العدو الأوّل لكُلِّ بني الإنسان، ورحم الله الإمام ابن القيّم - حيث وصفهم بالأمّة الغَضَبية فقال:"الأمَّة الغَضَبيةُ وهي اليهود أهل الكذب والبُهت والغدر والمكر والحِيَل، قَتَلَة الأنبياء وأَكَلَة السُّحت -وهو الربا والرشا- أخبَث الأمم طويّةً، وأرداهم سجيَّةً، وأبعدهم من الرّحمة، وأقربهم مِن النِّقمة، عادتهم البغضاء، وديدنهم العداوة والشحناء، بيت السّحر والكذب والحِيَل، لا يرون لمن خالفهم في كفرهم وتكذيبهم من الأنبياء حُرمَة، ولا يرقبون في مؤمن إلاًّ ولا ذمَّةً، ولا لمن وافقهم عندهم حقٌّ ولا شفقة، ولا لمن شاركهم عندهم عدلٌ ولا نصفه، ولا لمن خالطهم طمأنينة ولا أَمَنَة، ولا لمن استعملهم عندهم تضحية، بل أخبثُهم أعقلهم، وأحذقهم أغشّهم، وسليم الناصية -وحاشاه أن يوجد بينهم- ليس بيهودي على الحقيقة، أضيق الخلق صدورًا، وأظلمهم بيوتًا، وأنتنهم أفنية، وأوحشهم سجيّة، تحيّتهم لعنة، ولقاؤهم طِيَرة، شعارهم الغضب، ودثارهم المقت" [ابن القيم، محمد بن أبي بكر، هداية الحيارى، ص: 30، لبناشر: المكتبة القيمة، القاهرة مدينة نصر] "انسلخوا من رضوان الله كانسلاخ الحيّة من قشرها، وباءوا بالغضب والخِزي والهوان، وفارقوا أحكام التوراة ونبذوها وراء ظهورهم واشتروا بها القليل من الأثمان، فترحّل عنهم التوفيق وقارنهم الخذلان، واستبدلوا بولاية الله وملائكته ورسله وأوليائه ولاية الشيطان" [نفس لبمصدر، ص: 24] .
قال تعالى: (فبِما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حقّ وقولهم قلوبنا غُلفٌ بل طبع الله عليها بكفرهم فلا يؤمنون إلاّ قليلًا، وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانًا عظيما) [سورة النساء: 155، 156]