أ.د/ناصر بن سليمان العمر 30/9/1424
فيما مضى كنت بالأعياد مسروراًَ ... ...
فساءك العيد في أغمات مأسورا
ترى بناتك في الأطمار جائعة ... ...
يغزلن للناس ما يملكن قطميرا
يطأن في الطين والأقدام حافية ... ...
كأنها لم تطأ مسكا وكافورا
تذكرت أبيات الصاحب بن عباد قبيل عيد هذا العام وأنا أقلب النظر في حال الأمة يمنة ويسرة ، وجراحات المسلمين ضاربة أطنابها شرقًا وغربًا وكأنه اختزل لنا هذه الحال في تلك الأبيات التي تفيض أسى وحزنًا
أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد ... ...
تجده كالطير مقصوصا جناحاه
ففي فلسطين ما يُدمي القلب، ويُحدث الأسى ، وبنو صهيون قد طغوا وبغوا وتجبروا ، وفي أفغانستان أهوال تشيب لها الولدان ، فلم تنعم بالأمن منذ أكثر من عشرين عامًا ، ابتداء بجرائم الروس وفظائعهم ، وانتهاء بكبرياء الغرب وغطرستهم ، وتحزب الأحزاب وتكالبهم ضد شعب بريء مستضعف قد أوهنته الحروب ، واشتدت عليه الخطوب ، ولجأ إلى الله يشكو ظلم الظالمين ، وخذلان الجيران والمسلمين والمحبين ، ولا يزال في الشيشان جرح ينزف ، ودماء تسيل ، وضاعت أصوات الثكالى وآهات المكلومين في زحمة هذه المآسي والآلام ، حتى كدنا أن ننسى أن هناك مصيبة في بلاد الشيشان . أما كشمير والفليبين والأرخبيل ، فتشكو حالها إلى الله ، فلم تعد أخبارها تثير الحزن ، أو جراحها تهز الوجدان ، وذهبت صراخاتها أدراج الرياح .
رب وامعتصماه انطلقت ... ...
ملء أفواه الصبايا اليتم
لا مست أسماعهم لكنها ... ...
لم تلامس نخوة المعتصم
بل إنني تذكرت وأنا أقلب النظر في مآسي المسلمين وجراحاتهم حديث المصطفى صلى الله عليه وسلم وهو يذكر لنا القتال الذي سيجري مع الروم، وكان مما قاله في هذا الحديث العظيم: (يقتتلون مقتلة - أما قال: لا يرى مثلها ، وأما قال: لم يرى مثلها ، حتى إن الطائر ليمر بجنباتهم فما يخلفهم حتى يخر ميتًا ، ثم قال: فبأي غنيمة يفرح أو أي ميراث يقاسم ) رواه مسلم .
تذكرت هذا الحديث وأنا أسمع أخبار المسلمين وأعداد القتلى بالمئات بل بالآلاف، فقلت: بأي عيد نفرح؟ أو بأي مناسبة نحتفل ؟ !
ومما زاد في الحزن والأسى ما أسمعه من استعدادات كبرى تجرى للاحتفال بالعيد ، وفيها من المآثم وكفر النعمة والاختلاط ما لا يخفى ، والذين يشاركون في هذه الاحتفالات يقعون في جملة من الأخطاء، ويرتكبون عددًا من الذنوب والآثام ، فكيف يكون شكر الله على نعمة هذا الشهر، وما أكرمنا به من الصيام والقيام والعبادة ، بمثل هذه السفاهة وخفة الأحلام !
وكيف يحتفل الناس باللهو والعبث، وجراحات المسلمين تنزف، والعدو قد استباح الدماء والأعراض ، ألا نخشى أن يحلّ بنا ما حذّر الله منه في كتابه"وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحقّ عليها القول فدمرناها تدميرًا".
ألا نتذكر قوله تعالى"وضرب الله مثلًا قرية كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدًا من كل مكان فكفرت بأنعم الله فأذاقها الله لباس الجوع والخوف بما كانوا يصنعون".
بينما دلّنا سبحانه كيف يكون شكره في ختام هذا الشهر الكريم"يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبّروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون".
إن شكر الله وحمده، والثناء عليه يكون بالمحافظة على دينه، والأخذ على أيدي السفهاء، وقصرهم على الحق قصرًا ، وأطرهم عليه أطرًا ، ودعم الجهاد ومساعدة المجاهدين الذين يجاهدون لإعلاء كلمة الله والدفاع عن شرعه ، وردّ كيد المعتدين في نحورهم من اليهود والنصارى، والمشركين، والعلمانيين، ومن حالفهم من المنافقين والمهزومين .
تذكرت ونحن نستقبل هذا العيد المبارك ما شدا به محمود غنيم -رحمه الله- في قصيدته الرائعة، فأشجاني، وأثار كوامن في النفس مدفونة:
ما لي وللنجم يرعاني وأرعاه ... ...
أمسى كلانا يعاف الغمض جفناه
لي فيك يا ليل آهات أرددها ... ...
أواه لو أجدت المحزون أواه
كم صرّفتنا يد كنا نصرّفها ... ...
وبات يملكنا شعب ملكناه
أنى اتجهت إلى الإسلام في بلد ... ...
تجده كالطير مقصوصا جناحاه
ومع تلك المآسي والجراحات ، فإن هناك الأمل المشرق ، والمستقبل الباهر -بإذن الله- الذي يبشر بفتح عظيم وانتصار قادم ، بدت بوادره تظهر في زحمة الآلام والأحزان .
إن هذه الفواجع تحمل في رحمها نورًا ساطعًا، وبشرى لا تخفى على ذي عينين ، ستنير ما بين المشرق والمغرب بإذن الله .