فهرس الكتاب

الصفحة 13617 من 27345

الكاتب: الشيخ د.عبد الرحمن بن أحمد الجرعي

المقدمة

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده.... وبعد

فهذا بحث عن التقنين لأحكام الشريعة، حاولت فيه استيفاء أهم الجوانب المتعلقة بقضية التقنين باعتبارها من قضايا الساعة التي تطرح، ولابد من توضيح الأمر فيها وعرض وجهات نظر المانعين والمجيزين، وحرصت في هذا البحث على جمع المتشابه من الأدلة، وصياغة بعضها بأسلوب سهل.

أسأل الله التوفيق والسداد إنه على كل شيء قدير, وقد رأيت تقسيم البحث إلى فصول:

الفصل الأول: تعريف التقنين لغة واصطلاحا.

الفصل الثاني: في تاريخ التقنين.

الفصل الثالث: حكم إلزام القاضي بمذهب معين لا يقضي إلا به.

الفصل الرابع: المانعون للتقنين وأدلتهم.

الفصل الخامس: المجيزون للتقنين وأدلتهم.

الفصل السادس: الرأي المختار، والتوصيات.

ثم فهرس المصادر والمراجع، وفهرس الموضوعات.

وقبل الدخول في فصول هذا البحث أود أن أؤكد على النقاط الآتية:

1.مسألة التقنين من القضايا الاجتهادية، التي يسوغ فيها الخلاف. وبالتالي فلا إنكار على أي من الفريقين المختلفين طبقًا لما قرره علماؤنا من أن المسائل الاجتهادية إجمالًا لا إنكار فيها على أحد من المختلفين.

2.أن مسألة التقنين ليست وليدة الساعة، وليس بحثها وتوضيح القول فيها بدعًا من القول، فقد أشار بها الخليفة العباسي المنصور على الإمام مالك، وقد جرى تطبيق التقنين عمليًا عبر مجلة الأحكام العدلية في أواخر عهد الدولة العثمانية.

وقد عُرضت هذه المسألة على هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية عام 1393 هـ لبحثها وإعطاء الرأي فيها، وخرجت اللجنة بقرار أغلبي خالف فيه جمع من العلماء، ورأوا جواز التقنين. (أ)

3.أن ما أستجد في هذا الوقت من توسع المحاكم، وزيادة عدد القضاة، بالإضافة إلى كثرة الحوادث وتشعّبها، وضعف الملكة العلمية عند كثير من طلاب العلم في الكليات الشرعية التي تخرج القضاة بالإضافة إلى انفتاح مجتمعنا على بقية المجتمعات العالمية خاصة مع قرب انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية ومطالبة الآخرين لنا بنظام قضائي واضح ومحدد. كما أن أنظمتهم واضحة ومحددة بشكل كبير. كل ذلك يتطلب منا - في نظري -إعادة النظر في حكم التقنين. والله أعلم.

الفصل الأول

تعريف التقنين

أولا: التقنين لغة: مصدر"قنن"بمعنى"وضع القوانين"وهي كلمة مولدة (أي غير عربية الأصل) ، والقانون"مقياس كل شيء وطريقة". (1)

ثانيا: التقنين اصطلاحا: هو:صياغة الأحكام في صورة مواد قانونية مرتبة مرقمة، على غرار القوانين الحديثة من مدنية وجنائية وإدارية... الخ. وذلك لتكون مرجعا سهلا محددا، يمكن بيسر أن يتقيد به القضاة، ويرجع إليه المحامون، ويتعامل على أساسه المواطنون. (2)

وعرفه الدكتور وهبة الزحيلي بأنه:"صياغة أحكام المعاملات وغيرها من عقود ونظريات ممهدة لها، جامعة لإطارها، في صورة مواد قانونية، يسهل الرجوع إليها". (3)

وعرفه بعض الباحثين بأنه: صياغة الأحكام الفقهية ذات الموضوع الواحد التي لم يترك تطبيقها لاختيار الناس، بعبارات آمرة يميز بينها بأرقام متسلسلة ومرتبة ترتيبا منطقيا بعيدا عن التكرار والتضارب

وهذا التعريف احتوى على العناصر التالية للتقنين:

1.الصياغة: وهي ميزة التقنين عن الفقه المدون.

2.الترتيب والترقيم: وهي ميزة أخرى تجعل الرجوع للأحكام سهلا.

3.قوله:الآمرة: للتمييز بين مجرد بيان الأحكام، والإلزام بها، وهو من طبيعة القوانين.

4. (قوله:لم يترك تطبيقها لاختيار الناس) أي ليس لهم أن يمتنعوا عن تطبيقها فإن امتنعوا فإنها غير متروكة لهم بل تدخل في جوانب أخرى في ذلك كالعقوبات.

5.ذات الموضوع الواحد: لان القوانين عادة تفصل بين كل موضوع وآخر ولا يمنع ذلك أن تكون مجموع هذه المواضيع تمثل تقنين الفقه الإسلامي. (4)

ومن هنا يتبين أن صياغة المسائل الفقهية في مواد كالمواد القانونية أي تدوين الأحكام لا يسمى تقنينا على الصحيح، ولا يعدو هذا النوع من التأليف أن يكون مؤلفا من المؤلفات ومرجعا من المراجع. (5)

الفصل الثاني

في تاريخ التقنين

يرى بعض الباحثين أن مبدأ فكرة جمع الناس على رأي واحد في القضاء وهو خلاصة (فكرة التقنين) قد جاءت من قبل عبدالله بن المقفع (6) - المتكلم في عدالته - الأديب المشهور، في رسالته الموجهة إلى أمير المؤمنين في عصره (7) وعلى فرض ثبوت ذلك، فلا يظهر لي أن ذلك مطعن ترد به الفكرة، فالحكمة ضالة المؤمن، فإذا ثبت صلاحية الرأي قُبل وإن جاء به الكافر أو الفاجر كما قال معاذ ابن جبل رضي لله عنه"أن المنافق قد يقول كلمة الحق، فاقبلوا الحق، فإن على الحق نورًا". (8)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت