د. نايف بن أحمد الحمد 22/12/1426
الحمد لله وحده ، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده ، وبعد:"فإن الغضب عدو العقل، وهو له كالذئب للشاة قلَّ ما يتمكن منه إلا اغتاله" (1) , والغضب من الصفات التي ندر أن يسلم منه أحد بل تركه بالكلية صفة نقص لا كمال -كما سيأتي بيانه-"والغضب ينسي الحرمات ، ويدفن الحسنات ، ويخلق للبريء جنايات" (2) وقد قيل:
وعين الرضا عن كل عيب كليلة *** ولكن عين السخط تبدي المساويا (3)
كما قيل:
وعين البغض تبرز كل عيب *** وعين الحب لا تجد العيوبا (4)
وكثير منا لا يحسن الغضب إن غضب , ولم نرب أنفسنا وأولادنا كيف نغضب ولماذا نغضب وفي هذه الخاطرة جمعت ما يَسَّر الله - تعالى - جمعه من آيات ، وأحاديث , وحكم , وشعر , وغيرها مما يتعلق بهذا الموضوع سائلا المولى جل جلاله التوفيق والسداد .
تعريف الغضب:
عَرَّف الغضبَ جمعٌ من علماء اللغة وغيرهم ، واختلفت العبارات ، واتفقت الثمرة فكلمة ( الغضب ) يدرك معناها الصغير ، والكبير بلا تكلف أو تعب فتوضيح الواضحات - كما يقال - من الفاضحات ، وقد يزيده غموضا وإشكالا قال المناوي -رحمه الله تعالى -"والغضب كيفية نفسانية وهو بديهي التصور"ا.هـ (5) ومع ذلك لابد من ذكر شيء من ذلك:
قال القرطبي -رحمه الله تعالى-"والغضب في اللغة: الشدة ، ورجل غضوب أي شديد الخلق ، والغضوب الحية الخبيثة ؛ لشدتها , والغضبة: الدرقة من جلد البعير يطوى بعضها على بعض سميت بذلك لشدتها"ا.هـ (6)
وقيل في معناه: تغيُّر يحصل عند فوران دم القلب ليحصل عنه التشفي في الصدر . (7)
وقيل: الغضب إرادة الإضرار بالمغضوب عليه .
أسباب الغضب:
بواعث الغضب ، وأسبابه كثيرة جدا ، والناس متفاوتون فيها ، فمنهم مَن يَغضب لأمر تافه لا يُغضب غيره وهكذا ، فمِن أسباب الغضب:
أولا: العُجب: فالعجب بالرأي والمكانة والنسب والمال سبب للعداوة إن لم يُعقل بالدين وذلك برده ودفعه فالعجب قرين الكِبْر وملازم له , والكِبْر من كبائر الذنوب فقد قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- ( لا يدخل الجنة مَن كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر ) (8) وقال النبي -صلى الله عليه وسلم- ( ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك نفسك ودع أمر العوام ) (9) وعن ابن عباس -رضي الله عنهما - مرفوعا ( المهلكات ثلاث إعجاب المرء بنفسه وشح مطاع وهوى متبع ) (10) . ولهذا فقد كان السلف يُحذرون من أسباب العُجب ، ولو لم تكن مباشرة فعن سليم بن حنظلة قال: بينا نحن حول أُبي بن كعب نمشي خلفه إذ رآه عمر فعلاه بالدرة ، فقال: أنظر يا أمير المؤمنين ما تصنع ؟ فقال:"إن هذا ذلة للتابع وفتنة للمتبوع" (11) .
وجاء أن يحيى بن زكريا لقي عيسى بن مريم -صلى الله عليهما وسلم- فقال: أخبرني بما يُقرِّب من رضا الله ، وما يُبعد من سخط الله ؟ فقال:"لا تغضب". قال: الغضب ما يبدئه وما يعيده ؟ قال:"التعزز والحمية والكبرياء والعظمة" (12) .
ثانيا / المراء: قال عبد الله بن الحسين:"المراء رائد الغضب فأخزى الله عقلا يأتيك به الغضب"ا.هـ (13) وللمراء آفات كثيرة منها: الغضب لهذا فقد نهى الشارع عنه قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم - ( أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا ) (14) .
ثالثا: المزاح
إن المزاح بدؤه حلاوة *** لكنما آخره عداوة
يحتد منه الرجل الشريف *** ويجتري بسخفه السخيف (15)
فتجد بعض المكثرين من المزاح يتجاوز الحد المشروع منه: إما بكلام لا فائدة منه ، أو بفعل مؤذ قد ينتج عنه ضرر بالغ ثم يزعم بعد ذلك أنه كان يمزح ؛ لذا قال النبي -صلى الله عليه وسلم- ( لا يأخذن أحدكم متاع صاحبه جادا ولا لاعبا ) (16)
وقال أبو هقان:
مازح صديقك ما أحب مزاحا *** وتوق منه في المزاح مزاحا
فلربما مزح الصديق بمزحة *** كانت لباب عداوة مفتاحا
ذكر خالد بن صفوان المزاح فقال: يَصُكُّ أحدكم صاحبه بأشد من الجندل , ويُنشقه أحرق من الخردل , ويُفرغ عليه أحرَّ من المرجل ثم يقول: إنما كنت أمازحك .
قال محمود الوراق:
تَلََقَّى الفتى أخاه وخدنه *** في لحن منطقه بما لا يُغتفر
ويقول كنت ممازحا وملاعبا *** هيهات نارك في الحشا تتسعر
ألهبتها وطفقت تضحك لاهيا *** مما به وفؤاده يتفطر
أو ما علمت ومثل جهلك يتقى *** أن المزاح هو السباب الأكبر (17)
وقال عمر بن عبد العزيز -رحمه الله تعالى -"إياك والمزاح فإنه يجر القبيح ويورث الضغينة" (18)
واحذر ممازحة تعود عداوة *** إن المزاح على مقدمة الغضب
وقال ميمون بن مهران -رحمه الله تعالى-"إذا كان المزاح أمام الكلام كان آخره اللطم والشتام".