بقلم: أديب إبراهيم الدباغ
المدخل- ما وراء القبح والشر
إن إيمان المؤمنين بالله تعالى يزيد ويتعزز بكثرة وقوفهم على مظاهر الخير والجمال التي تتظاهر مفصحة عن نفسها هنا وهناك من أرجاء الوجود، إذ يعني هذا - من جملة ما يعنيه الإنسان الباحث عن الحقيقة - أن وراء هذا الخير والجمال خالقًا قديرًا موصوفًا بكل الصفات الجمالية التي نجد انعكاساته وآثارها على وجه الكائنات.
إن الوجه الأخر للعالم يبدو - للوهلة الأولى - وكأنه بحر طامٍ من الشرور والآثام، وموج هائج مخيف يضرب شواطئ الإنسانية بعنف، ويرسم فوق جبينها أشد صور القبح دمامة، وأكثرها إيلامًا.
وهنا تنجم مسألة كانت - وما زالت - تستأثر باهتمام الناس. وخلاصتها:
إن الله - جل وعلا - في مألوف العقل خير محض، وجمال مطلق، منزه عن النقص والقصور فيما يخلق ويُوجِد، فلا يمكن عقلًا - أن يتسلل"القبح والشر"إلى هذا الوجود وهو من صنعه وإيجاده.
والحق في قضية"القبح والشر"أدق وأعمق من هذه النظرة الفوقية والسطحية التي ينظر من خلالها بعض من لا يريدون تكليف أنفسهم عناء الغوص الشمولي والاستقصائي في مبنى الأشياء التي يقع عليها النظر وفي معناها، وفي مداها البعيد، وفيما يمكن أن تنطوي عليه آثارها المستقبلية من خير وجمال قد تفوتنا رؤيته في الآن والتو إلا أن المستقبل سيكشف عنه - لا محال - في وقته المناسب.
فما من شيء في هذا العالم، وما من حدث يحدث فيه، أو أمر ينزل به، إلا وهو جميل بذاته، أو جميل بغيره"أي بما سيعقبه من نتائج جميلة"كما يقرر"النورسي"رحمه الله.
فالشر المطلق - أي الشر الذي ليس في طبيعته تحفيز أي نوع من أنواع الخير - والقبح المطلق - أي القبح الذي لا يتكشف في خاتمة المطاف عن أي نوع من أنواع الجمال - في الأشياء والوقائع والأحداث لا وجود لهما أصلًا في هذا العالم كما يتصور البعض، بل لهما وجود اعتباري زائل إذا نظرنا إلى ما سيؤول إليه أمرهما من الخير والجمال في أجل الزمان.
وحتى"الشيطان"نفسه - عنوان الشرور والآثام في هذا العالم - لا يعدم من خدمة يؤديها للإنسان بالرغم منه، حيث يثير فيه - بالاحتراب معه - قواه الجوانية الخيرة، ويحرك في نفسه عرق التحدي والتحفيز، فينكب على نفسه يرمم حصونها، ويسد منافذها وثغورها، فلا يقوى الشيطان على الانسلال إلى داخله، فيبقى قلبه طاهرًا نظيفًا مهيأً لقبول أنوار الله ورحماته، فإذا به ينفع - راغمًا - من حيث أراد الضرر، تمامًا كما حصل له مع"آدم"- عليه السلام - أبي البشر، فلئن استطاع بمكره أن يكون سببًا في إهباطه من الجنة من جهة، إلا أنه من جهة أخرى كان سببًا في تفتح استعدادات"آدم"- عليه السلام - الكامنة، وارتقائها إلى أقصى غاياتها في التوبة والندم وانكسار القلب والعبودية الخالصة لله والتي كان من نتائجها الرضى والمغفرة والمحبة من الله تعالى، وهي أقصى ما يتمناه المؤمن ويطمح إليه.
وفي قصة"موسى"و"الخضر"عليهما السلام، والتقائهما ثم مضيهما معهًا في رحلة عمل معرفية يجوبان خلالها بعض أسرار ما يتشكل من أحداث، ويستبطنان بعض غوامض ما تتكشف عنه الأيام من وقائع... في هذه القصة الشيقة التي يحكيها لنا القرآن الكريم إيماء وتنبيه إلى أن الوقوف - أحيانًا - على ظواهر الأمور والأحداث، والحكم عليها بمقتضاها قد يوقع في الظلم والخطأ.
فما كان يبدو في سلوك"الخضر"عليه السلام من قسوة وشر وتهور في خرقه للسفينة، وقتله للغلام، وإقامته للجدار - وإن كان سلوكه هذا مدانًا حكمًا وتشريعًا - إلا أنه تبين بعد التفسير الذي قدمه"الخضر"- أنه ينطوي على الرحمة والخير والحكمة فيما سيثمر من ثمار في آجل الزمان، ومستقبل الأيام. وهذه النظرة الاستبطانية والمستقبلية للأمور، وعدم الوقوف عند ظواهرها الآنية العجلى، وسطحيتها المباشرة، هي النظرة التي يجب أن ننظر من خلالها - أيضًا - إلى أحداث التاريخ الإسلامي ووقائعه، ولا سيما مآسيه وأحزانه التي ما زالت تثير سحابة قاتمة من الأسى في ضمير المؤمن الغيور.
وما لم يصطحب المؤرخ المسلم هذه النظرة الشمولية والاستقصائية في التعليل والتحليل للحدث التاريخي الذي يعالجه، فإنه سيقع - نتيجة ذلك - في تصورات وهمية مربكة واستنتاجات فجة قد تجره إلى شيء من عدم الاحترام لبعض الشخصيات التي يدور عليها الحدث، والاستهانة بها إلى حد التشكيك بإيمانها وإسلامها كما تورط بالانزلاق إلى هذا الدرك من الخطيئة بعض من ذوي الأغراض بلا تثبت أو دليل!.