لحاضر المسلمين ومستقبلهم
بقلم اللواء الركن
محمود شيث خطاب
(1) الغزوات والسرايا
التفرغ للعلم نعمة عظيمة من نعم الله، يقصر الحمد والشكر عن الوفاء بحقها لله، وعلى المر ء الذي يقدر مثل هذه النعمة العظيمة أن يحمد الله عز وجل عليها بالأعمال لا بالأقوال.
وشغلت نفسي في تفرغي الكامل بدراسة (قادة النبي صلى الله عليه وسلم) الذين قادوا السرايا في حياته المباركة، فاكتشفتُ درسين حيويين من مصائر أولئك القادة، لم أكن أعرفهما من قبل، ولم أقرأ عنهما شيئًا، فأحببت أن أشارك القراء نشوة هذا الاكتشاف.
كان النبي صلى الله عليه وسلم هو قائد المسلمين في الغزوات، وهي ثماني وعشرون غزوة، نشب القتال في تسع غزوات منها، وحققت تسع عشرة غزوة من غزواته عليه الصلاة والسلام أهدافها دون قتال.
واستغرق جهاد النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته كافة سبع سنين بعد الهجرة من مكة المكرمة إلى المدينة المنورة، فقد خرج إلى غزوة ودّان وهي أول غزوة قادها النبي صلى الله عليه وسلم في شهر صفر من السنة الثانية للهجرة، وكانت غزوة تبوك وهي آخر غزواته عليه الصلاة والسلام في رجب من السنة التاسعة الهجرية.
ولكن جهاد النبي صلى الله عليه وسلم لم يقتصر على الغزوات فحسب، بل شمل الغزوات والسرايا أيضًا، والفرق بين الغزوة والسرية، أن الغزوة تكون بقيادة النبي صلى الله عليه وسلم، أما السرية فتكون بقيادة أحد الصحابة عليهم جميعًا رضوان الله.
وكان عدد سرايا النبي صلى الله عليه وسلم سبعًا وأربعين سرية، وفي رواية أنه بعث عددًا أكثر من السرايا، والأول أصح.
وقد استغرق بعث هذه السرايا تسع سنين، ابتداءً من سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه التي بعثها إلى (العيص) في شهر رمضان من السنة الأولى الهجرية، وانتهاء بسرية علي بن أبي طالب كرم الله وجهه ورضي الله عنه التي بعثها إلى بلاد (مذحج) في اليمن في شهر رمضان من السنة العاشرة الهجرية.
وكان من ثمرات جهاد سبع سنوات في الغزوات، وتسع سنوات في السرايا، توحيد شبه الجزيرة العربية لأول مرة في التاريخ تحت لواء الإسلام، بقيادة أبنائها من العرب المسلمين، وتطهيرها من الأجنبي الدخيل، وتحطيم الأصنام والأوثان في أرجائها، وهي آلهة العرب قبل الإسلام، بعد أن أصبح العرب يعبدون إلهًا واحدًا لا شريك له، بفضل الإسلام دين التوحيد والوحدة، ودين الله الذي ارتضاه للناس كافة.
وكان عدد قادة سرايا النبي صلى الله عليه وسلم سبعًا وثلاثين قائدًا، بإضافة عبد الله بن جبير الأوسي الأنصاري الذي كان قائد الرماة في غزوة (أحد) إلى قادة سرايا النبي صلى الله عليه وسلم، إكبارًا لمزاياه القيادية، وتقديرًا لسجاياه البطولية، وليكن أسوة حسنة لكل قائد وجندي من قادة العرب والمسلمين وجنودهم في مزاياه وسجاياه، فيصبح تعداد القادة ثمانية وثلاثين قائدًا.
وليس عبد الله بن جبير رضي الله عنه من قادة النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكنه ليس أقل منهم كفاية واقتدارًا، وقدرًا وجلالًا.
لقد كانت ثمرات الجهاد في الغزوات والسرايا ثمرات يانعة حقًا، وكانت لقيادة النبي صلى الله عليه وسلم الفذة آثار حاسمة في نتائج غزواته وسراياه: بصورة مباشرة في غزواته لأنها بقيادته المباشرة، وبصورة غير مباشرة في سراياه لأنها بقيادة مَن أحسن اختيارهم.
واختيار النبي صلى الله عليه وسلم لقادة سراياه: في أسلوب اختياره الذي يضع الرجل المناسب بالمكان المناسب، وفي حرصه على الالتزام بشروط القيادة المتميزة في الاختيار لفائدة الإسلام والمسلمين، درس ينبغي أن نتعلمه حكامًا ومحكومين، إذا أردنا أن ننتصر في الحرب ونتفوق في السلام، فقد عزّ النصر على العرب والمسلمين وعزّ النجاح، وأصبحوا أهل الهزائم والإخفاق.
وربما نعود إلى تفصيل هذا الدرس الحيوي في موعد قريب بإذن الله، فهو الدرس الحيوي الذي ينبغي أن نتعلمه من النبي صلى الله عليه وسلم: درس اختيار القادة. أما اليوم، فسأقتصر على درسين حيويين نتعلمهما من قادته عليهم رضوان الله.
مصائر قادة النبي صلى الله عليه وسلم..
والدليل القاطع على تمتع قادة النبي صلى الله عليه وسلم بالكفاية القيادية العالية، هو ما أحرزوه من انتصارات باهرة على أعداء الإسلام والمسلمين، المتفوقين عليهم عددًا وعُددًا في كل معركة خاضوها دون استثناء.
الشجاعة..
والشجاعة الفائقة هي إحدى مزايا الواجب توفرها في الكفاية القيادية، وكانت الشجاعة الفائقة هي القاسم المشترك بين مزايا قادة النبي صلى الله عليه وسلم كافة.
والدليل القاطع على الشجاعة الفائقة لقادة النبي صلى الله عليه وسلم، أن اثنين وعشرين قائدًا منهم قضى شهيدًا، وخمسة عشر قائدًا منهم مات على فراشه، أي أن ستين بالمائة من القادة استشهدوا، وأربعين بالمائة منهم ماتوا خارج ميدان القتال.