فهرس الكتاب

الصفحة 9652 من 27345

د. فهد بن سعد الجهني (*) 27/1/1425

إن"الحج"من شعائر الله العظمى التي أمر الله بتعظيمها، وإن من تعظيمها -والله أعلم- بيان أحكامه للناس، وتبصير الأمة بسنة نبيهم وإمامهم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه، وليس هناك شعيرة تجمع المسلمين في مكان واحد وزمان واحد -بل وتلزمهم بذلك - مثل الحج، لذلك والله تعالى أعلم ختم النبي صلى الله عليه وسلم بأمر ربه شعائر الدين العظمى بالحج، ختم به وختم فيه، ختم به: بأن كان آخر الشعائر والأركان التي يبينها للناس عمليا"لتأخذوا مناسككم"مسلم (1297) ، وختم فيه: بأن جمع له الناس من كل مكان في المدينة ومن حولها من هجر الإسلام وقراه، حتى بلغوا مائة ألف أو يزيدون!! فخطبهم في مواضع متعددة وسمع الناس صوته على كثرتهم حتى سمعه أهل البيوت في بيوتهم! ولا عجب فهو نبي الله!! لذلك - والله أعلم- لما فرض الحج عليه في السنة التاسعة لم يحج إلا في العاشرة تحصيلًا لمصلحة اجتماع الناس ليسمعوا منه قواعد الدين وأحكام الإسلام وليأخذوا عنه مناسكهم ،وأمرٌ آخر عظيم وجليل أن يتحصل لكثيرٍ منهم فضل وشرف الصحبة!! وأعظم به من شرف وفضل ،وهو فضل الله يؤتيه من يشاء.

لذلك أقول: أن الحج ومناسكه ومسائله مما يتعلق بمجموع الأمة وأفرادها، ولا يختص به أحدٌ دون أحد، وقد كثر الحديث بل ويتكرر في كل موسم عن الكثير من مسائل الحج، ومع مجالسة الناس ومخالطتهم بمختلف تخصصاتهم ومشاربهم ومستوياتهم العلمية والاجتماعية تسمع آراء كثيرة، تصدر من توجهات ومنازع مختلفة منها الغث ومن السمين ومنها المتشدد ومنها المتساهل ومنها ما يستحق الوقوف والتأمل ومنها ما يستوجب البيان والنصح ،ولكل وجهة ومع كل -فيما يظن - دليل، والصد عن هذا كله من قبل المعنيين على مختلف مستوى المسؤلية (الشرعية والرسمية) مما لا ينبغي؟ بل لا يجوز لأن الأمر يتعلق بشعائر الله ودينه، ومن خلال استقراء - غير تام وهو محقق لغلبة الظن - لكثير من هذه الأراء أستطيع إلى حدٍ ما تلخيصها أو تقسيمها وباعتبارات مختلفة إلى عدد من الأقسام المعينة على ضبط الموضوع بحول الله وما توفيقي إلا به:

أولًا: من حيث نظرة المختصين الشرعيين وغيرهم إلى مسائل الحج من خلال النظر الفقهي وجانب الفتوى فهي على ثلاث توجهات في الجملة:

التوجه الأول: الذي ينظر إلى جانب الأدلة والنصوص ويغلب جانب الاحتياط، وينصح باتباع سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - في الحج كما جاءت، ولا يترخص إلا في ما ورد فيه نص، ولا يتعدى بالرخصة مواضعها،بمعنى أنه لا يعمل القياس أو يعمم مناط الترخص ليشمل شريحةً أكبر من المكلفين.

التوجه الثاني: من يغلب جانب النظر إلى مقاصد الشريعة والقواعد العامة في الفقه الإسلامي من حيث نظرتها لرفع الحرج ودفع الضرر والتيسير ،ويحكم على النصوص من خلال هذه النظرة العامة.

التوجه الثالث: من يعمل الأمرين معا: النظر الفاحص في النصوص الواردة في المناسك ،مع عدم عزلها عن مقاصد الشرع وقواعده العامة ،والاجتهاد في تلمس مناط الحكم بدقة وحسن تصور.

ولاشك أن الوسط بين الطرفين هو المطلوب، وهو الجادة التي ينبغي العض عليها، فالنظرة الأولى فيها احتياط وحملٌ للناس على الأكمل والأفضل ولا شك، ولكن نحن نتحدث اليوم في واقعٍ مختلف ،وظروف تفرض نفسها، ومن عايش مناسك الحج فعليًا واختلط بالضعفاء وكبار السن والجهلة وأهل الآفاق البعيدة، علم مدى الصعوبة في حمل هؤلاء ومن ارتبط بهم ممن ليس في حكمهم حقيقة ولكنه لا يستطيع أن ينفك عنهم أو يتركهم، على التقيد بالسنة كما جاءت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والفتوى لابد لها - كما قرر أهل الاختصاص - من مقدمتين لازمتين: العلم بالواقع من خلال المشاهدة والمعايشة وسؤال أهل الشأن والجلوس معهم، ومن ثم العلم بما يجب شرعًا في هذا الواقع، عندها فقط تنزل الفتوى منزلتها الصحيحة وتقترب بإذن الله من إصابة الحق ونفع الخلق، مما لا يؤدي بهم إلى الحرج والضيق، والمشقة تجلب التيسير.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت