نجدت لاطة
المتتبع للعمل الدعوي سواء أكان في المساجد أم في خارجها يجد قصورًا ملحوظًا في القسم النسائي ، و بعض الجماعات لا تفرد قسمًا خاصًا بالنساء . الأمر الذي أدّى إلى ندرة الدعايات اللائي اشتهرن ، وإذا الواحد منا أراد أن يتذكر أسماءهنّ فلا يتذكر إلا زينب الغزالي في مجال الدعوة , وعائشة عبد الرحمن ( بنت الشاطئ ) في مجال العلم والثقافة .
وفي المقابل نجد كثرةً في جانب الرجال تفوق ـ بنسبة كبيرة جدًا ـ على عدد النساء , وقد تصل نسبة النساء الداعيات إلى واحد بالمائة أمام الرجال الدعاة .
في حين تعج السيرة النبوية بأسماء الصحابيات اللواتي كان لهن دور كبير في خدمة الإسلام في نواحيه المختلفة كالدعوة والعلم والجهاد . فالمرأة المسلمة في العصر الأول لم تجلس مكتوفة الأيدي , ولم تدع للرجل أن يأخذ نصيب الأسد في خدمة هذا الدين . لأن الأمر الإلهي موجّه لكلا الجنسين سواء بسواء , وقد قال تعالى:
"والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم"التوبة71 . فالخطاب القرآني هنا ردٌّ طبيعي وعمل مضاد على أعوان الشر الذين وصفهم الله تعالى بقوله:"المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف .."التوبة آية 68 . فالشر يدعو إليه أصحابه من الرجال والنساء ,والخير ينبغي أيضًا أن يدعو إليه أصحابه من الرجال والنساء . وأي تقصير من أحد الجنسين سيؤدي إلى غلبة الفريق الآخر .
وقد قدمت المرأة المسلمة في العصر الأول نماذج رائعة في خدمة الدين ونشره . فمن يُنكر دور عائشة رضي الله عنها في توصيل العلم النبوي إلى الناس ، ومن ينكر دور أم عمارة وخولة بنت الأزور في الجهاد ، ومن ينكر دور أسماء بنت أبي بكر في الهجرة ؟ وتروي كتب السيرة أن أبا طلحة الأنصاري كان الذي دعته إلى الإسلام إحدى النساء الأنصاريات التي أصبحت فيما بعد زوجته .
أما المرأة المسلمة اليوم فقد غُيّبت عن العمل الإسلامي في كل نواحيه ، ففي جانب العمل المسجدي لا نرى دورًا ملحوظًا ، وفي جانب العلم والثقافة نرى قصورًا واضحًا ، وفي جانب الجهاد لا نرى شيئًا أبدًا . وعلى سبيل المثال لم نرى ولم نسمع عن مجاهدة واحدة في الجهاد الأفغاني السابق ، ولا في الجهاد الفلسطيني الحالي الذي تتزعمه حركة حماس ، اللهم إلا في الآونة الأخيرة حين اشتد الحصار في مدينة رام الله حيث ظهرت بعض الاستشهاديات ولكن لم يتجاوز عددهم أصابع اليد .
فلماذا هذا الغياب والتغييب لدور المرأة المسلمة ؟ هل عصرنا لا يحتمل وجود داعيات وعالمات ومجاهدات ؟ أم أن الأمر يعود للخلل الفكري في تصورنا لدور المرأة المسلمة ؟
أنا أرى أن الخلل الفكري الذي أصاب تصورنا هو السبب الرئيسي ، بل هو السبب الأوحد لذلك . وأعود بالقارىء إلى بدايات القرن العشرين , فعندما فتحت الجامعة المصرية أبوابها للطالبات لم يقبل الأزهر أن يفتح المجال لهن . فتخرجت من الجامعة المصرية دفعات عديدة من الطالبات اللواتي تثقفن على الطريقة الغربية في التعليم . ثم بعد عشرين سنة قَبِل الأزهر أن يفتح قسمًا خاصًا بالطالبات . ولكن بعد أن أخذت المرأة التي تخرجت من الجامعة المصرية الأماكن الحساسة في المجتمع , وبعد أن أصبحت الفئة المثقفة من النساء هُنّ ممن يحملن الأفكار الغربية بدءأً بهدى الشعراوي وانتهاءً بنوال السعداوي . وحدث في الدول العربية الإسلامية مثلما حدث في مصر تمامًا . وكانت النتيجة الطبيعية أن تخرج أجيال نسائية تربّت على أفكار هذه الفئة من النساء , فتحولت المرأة المسلمة في عموم حياتها عن منهج الإسلام وتعاليمه , اللهم إلا من رحم ربي وقليل هنّ , وانتشر السفور بشكل كبير بحيث أصبحت المتحجبات قلةً في المجتمع .
وقد تنبّه إلى هذا الخلل الكبير الذي أصاب مجتمعنا الإسلامي بعض العلماء وبعض المفكرين , فراحوا يُعيدون النظر في دور المرأة المسلمة في بناء المجتمع الإسلامي السليم بشكل عام , وفي دورها في العمل الدعوي بشكل خاص . فيقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في هذا الشأن:"المسلمون في العصر الحديث حرموا المرأة حق العبادة في المساجد , ويوجد في مصر نحو سبعة عشر ألف مسجد لا تُرحب بدخول النساء , ولم يُبنَ في أحدها باب مخصص للنساء كما فعل رسول الله حين بنى مسجده بالمدينة المنورة . وهم رفضوا أن يكون للمرأة دور في إحقاق الحق وإبطال الباطل وصيانة الأمة بنشر المعروف وسحق المنكر . ولم تدخل المرأة الأزهر إلا بعد تطويره الحديث مع أن النبي جعل طلب العلم فريضة على الرجال والنساء . وعندي أن إفلات النهضة النسائية من قيود الإسلام الحقيقية يرجع إلى هذا العجز والغباء (1 ) ."