فتحي عبد الستار . إسلام أون لاين
من القضايا التي تبرز الآن على ساحة الدعوة وتفرض نفسها بقوة، غياب بعض الدعاة عن واقع الناس وقضاياهم الحياتية والمعيشية، بشكل يضعهم على هامش الأحداث إلى حد بعيد، مما يسبب أزمة في جهتين: الجهة الأولى انصراف الناس عن الدعاة إلى مَن قد يدخل إليهم عبر قضاياهم ومشكلاتهم، ويشكل لديهم وعيا مغايرا للحقيقة ولما يجب أن يكون عليه المسلم إزاء ما يتعرض له ويواجهه. ومن الجهة الأخرى تغييب دور المسلم وفعله الإيجابي، وحصره في أدوار هامشية يغلب عليها الانفعال لا الفاعلية.
وليت الأمر توقف عند حد المنابر الخشبية والحجرية في المساجد، بل مما ساعد على إبراز هذه القضية بشكل يضعها ظاهرة تلك المنابر الفضائية عبر القنوات المختلفة، متعددة الجنسيات والخلفيات والتوجهات، التي يعمل بعضها - بسبب محتواه وطريقة تناوله للأحداث أو تجاهلها - مخدرا يغيب وعي الجماهير المسلمة، ويكرس سلبيتها، ويدعم عزلها عن مواقع التأثير، ويضعها دائما في خانة المنتظِر المفعول به.
وحتى لا يكون هذا الحديث معمما، أؤكد أن هناك من الدعاة - أفرادا وجماعات ومؤسسات - من يعي خطورة هذا الأمر، ويقوم بدوره في تبصير الجماهير، ويقف مع الأحداث أولا فأولا، محللا الأسباب ومحددا الأدوار، وقائدا للحركة الإيجابية التي تعود بمردود فاعل على الأمة.
وحتى لا يعتبر هذا الحديث أيضا ادعاء يفتقد المصداقية، أشير إلى بعض مظاهر هذه المشكلة:
مظاهر المشكلة
من أكثر مظاهر المشكلة انتشارا:
1-عدم مراعاة الداعية للظروف الحياتية والاجتماعية للمدعوين، فتجده - مثلا - يحذر من متاع الدنيا وغَرورها، ويتحدث عن واجبات الأغنياء، وفضل الصدقات، في بيئة فقيرة تعيش أصلا على صدقات الناس، ولا يعرف متاع الدنيا وغرورها سبيلا إليها!! أو يتحدث عن مشكلات فئة معينة من الناس، وغالبية من يستمع له ينتمي إلى فئة أخرى ليس لها علاقة بما يتحدث عنه الداعية.
2-تجاهل الداعية للأحداث والقضايا المؤثرة على الأمة بشكل مباشر، وإهمالها وعدم تناولها بالبيان والتحليل، وتحديد أدوار المسلمين إزاءها، على اختلاف تخصصاتهم ومواقعهم، مكتفيا بالحديث عن أمور يمكن تأجيلها وتأخيرها وتناولها في أي وقت لحساب الأحداث الطارئة والملحة.
3-الكلام المطلق والحديث غير الموثق والمشوش من قبل الداعية عن القضايا المختلفة، وترديد شتات ما تتلقاه أذنه من هنا وهناك دون تبين.
أسباب المشكلة
تتعدد الأسباب المؤدية لظاهرة الدعاة المغيبين، نذكر من أهمها:
1-ضعف ثقافة الواقع لدى الداعية:
حيث يظن بعض الدعاة أنه يكفيه تحصيل بعض العلوم الشرعية، والخوض في مراجع الأدب واللغة والتاريخ، والأخذ بحظ وافر من بعض العلوم الإنسانية، وهو مع ذلك كله لا يعرف شيئا عن عالمه الذي يعيش فيه ويتوجه إليه بالدعوة، لا يعرف ما يقوم عليه هذا العالم من نُظُم، وما يسوده من مذاهب، وما يحركه من عوامل، وما يصطرع فيه من قُوَى، وما يجري فيه من تيارات، وما يعاني أهله من متاعب ومشكلات، لا يشعر بآلام وآمال بيئته، ولا يعيش أفراحها ومآسيها، ولا يدرك مصادر القوة وعوامل الضعف فيها، وهذا بالطبع ينعكس على خطابه الدعوي، وما يقدمه لجمهور الدعوة، حيث يصير خطابه نظريا جامدا، خاليا من الحياة، مفتقدا للروح، وإن جمله بالتراكيب اللغوية والمحسنات البديعية.
2-مناهج التربية التي يخضع لها الدعاة النظاميون:
إن نظرة عابرة على بعض مناهج التربية والتثقيف المعتمدة داخل الجماعات والمؤسسات الدعوية - الرسمية وغير الرسمية - تعطينا انطباعا بأنه لا فارق كبيرا بينها وبين المناهج التي تدرس في المدارس الرسمية في معظم البلاد العربية والإسلامية، إذ يغلب عليها أسلوب التلقين النظري الأصم، والروح العاطفية التعبوية، بعيدا عن الواقع العملي، وبعيدا كذلك عن غرس روح التأمل والنقد والاستكشاف والاستشراف. ذلك لأن هذه المناهج تحصر نفسها داخل أدبيات المنتمين لهذه الجماعة أو ذاك الفصيل دون أن تنفتح على كتابات الآخرين، ودون أن تستفيد من أفكار وإبداعات مفكري الأمة، ومدارس الرأي المختلفة، بصرف النظر عن انتماءاتها التنظيمية. ولا يكاد يُلحَظ أو يُعرَف - غالبا - أن داعية خرج عن هذا الخط في التحصيل والتلقي إلا حاصرته التحذيرات والتخويفات، لتفرض وصاية فكرية على العقول، بدعوى خوف التأثر وفساد الأفكار!! وهذا بلا شك له تأثير على الداعية وعلى الحركة: على الداعية في تكوينه الثقافي والعقلي، وعلى الحركة في ركودها وعدم تطورها، وفي هجرة من يصر على الخروج من هذا الطوق لها، فتفقد الحركة بذلك عقولا واعية يصعب تعويضها.
3-الرغبة في تجنب المشكلات: