فهرس الكتاب

الصفحة 8145 من 27345

أولا: تمهيد:

1-أهمية التوحيد ومعرفة ما يضاده:

قال ابن أبي العز:"اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل، وأول منازل الطريق، وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله عز وجل، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ ياقَوْمِ اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ اله غَيْرُهُ} [المؤمنون:23] ، وقال هود عليه السلام لقومه: {اعْبُدُواْ اللَّهَ مَا لَكُمْ مّنْ اله غَيْرُهُ} ... وقال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِى كُلّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُواْ اللَّهَ وَاجْتَنِبُواْ الْطَّاغُوتَ} [النحل:36] ، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نُوحِى إِلَيْهِ أَنَّهُ لا اله إِلاَّ أَنَاْ فَاعْبُدُونِ} [الأنبياء:25] ، وقال صلى الله عليه وسلم: (( أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله ) )."

ولهذا كان الصحيح أنَّ أوَّل واجب يجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر ولا القصد إلى النظر ولا الشك، كما هي أقوالٌ لأرباب الكلام المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون على أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان... فالتوحيد أول ما يدخل به في الإسلام وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: (( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) )، وهو أول واجب وآخر واجب"."

ولأهمية التوحيد كان لا بد من معرفة ما يضادّه وهو الشرك حتى يحذر منه المرء على توحيده.

قال سليمان آل الشيخ:"لما كان الشرك أعظم ذنب عصي الله به، ولهذا رتب عليه من عقوبات الدنيا والآخرة ما لم يرتبه على ذنب سواه، من إباحة دماء أهله وأموالهم، وسبي نسائهم وأولادهم، وعدم مغفرته من بين الذنوب إلا بالتوبة منه، نبه المصنف بهذه الترجمة على أنه ينبغي للمؤمن أن يخاف منه ويحذره، ويعرف أسبابه ومبادئه وأنواعه لئلا يقع فيه، ولهذا قال حذيفة: كان الناس يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن أقع فيه. وذلك أن من لم يعرف إلا الخير قد يأتيه الشر ولا يعرف أنه شر، فإما أن يقع فيه، وإما أن لا ينكرَه كما ينكره الذي عرفه، ولهذا قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: (إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لم يعرف الجاهلية) ".

2-هل الأصل في الإنسان التوحيد أم الشرك؟

اتفق أهل الملل الثلاثة ـ اليهود والنصارى والمسلمون ـ على أن الأصل في الإنسان هو التوحيد، والشرك طارئ عليه.

وذلك بناء على أن البشر خلقوا من نفس واحدة وهي نفس آدم عليه السلام كما قال تعالى: {ياأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِى خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء} [النساء:1] . وهذا متفق عليه بين الديانات الثلاثة.

ومما يدل على ذلك:

1-أن الإنسان الأول وهو آدم عليه السلام كان نبيًا يعبد الله وحده لا شريك له، وعلّم أبناءه التوحيد.

قال ابن تيمية:"ولم يكن الشرك أصلًا في الآدميين، بل كان آدم ومن كان على دينه من بنيه على التوحيد لله، لاتباعهم النبوة، قال تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلاَّ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُواْ} [يونس:19] ، قال ابن عباس: (كان بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام) . فبتركهم اتباع شريعة الأنبياء وقعوا في الشرك، لا بوقوعهم في الشرك خرجوا عن شريعة الإسلام".

2-أن الله تعالى أخبر في كتابه أن الفطرة التي فطر الناس عليها هي فطرة الإسلام التي هي التوحيد الخالص.

قال تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِى فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيّمُ وَلَاكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ} [الروم30] .

وقال تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِى ءادَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَاذَا غَافِلِينَ} [الأعراف:172] .

قال ابن عباس: (مسح ربك ظهر آدم فخرجت كلّ نسمة هو خالقها إلى يوم القيامة بنعمان هذه ـ وأشار بيده ـ، فأخذ مواثيقهم وأشهدهم على أنفسهم: {أَلَسْتَ بِرَبّكُمْ} ) .

وقال ابن جرير:"يقول تعالى ذكره لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: واذكر ـ يا محمد ـ ربَّك إذ استخرج ولد آدم من أصلاب آبائهم، فقرّرهم بتوحيده، وأشهد بعضهم على بعض شهادتهم بذلك وإقرارهم به".

3-بين الله تعالى أن التوحيد هو أصل دعوة الرسل وإليه دعوا أقوامهم.

قال تعالى: {شَرَعَ لَكُم مّنَ الِدِينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِى أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُواْ الدّينَ وَلاَ تَتَفَرَّقُواْ فِيهِ} [الشورى:13] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت