نحن والقرآن د. عبد الرحمن صالح العشماوي*
في رمضان الكريم تشرق كثير من بيوت المسلمين بنور القرآن الكريم، وتتردَّد في جنباتها تلاوات أفراد الأُسرة صغارًا وكبارًا بصورة تحرِّك مكامن السعادة في القلوب، والناس في هذا أصناف كثيرة ما بين مكثرٍ ومقلٍّ، ومقبلٍ ومُدْبر، وغافلٍ ومتدبِّر، ولا شك أنّ سماع أصوات تلاوة القرآن الكريم يسعد القلب، ويرقى بالروح، ويستمطر أحيانًا دموعًا ساخنةً لها لذَّةٌ خاصة في قلوب من يذرفونها.
القرآن ... هذا الكلام الإلهي المعجز الذي يتجدَّد معنى، ويتألَّق لفظًا كلَّما تلاه الإنسان أو سمعه، إلى درجةٍ يكاد يشعر معها الإنسان أنّه لم يقرأ ولم يسمع مع أنّه كثير القراءة كثير السماع.
وهنا تأتي أهميَّة التدبُّر لمعاني القرآن، والتأمُّل لما فيه من البلاغة والبيان، والتعرُّف على ما فيه من العبر والمواعظ، لأنّ القارئ المتدبِّر لكتاب الله يجد من المتعة والفائدة ما لا يجده القارئ المتعجِّل الذي يردِّد الآيات دون التدبُّر في جوانبها الإعجازية العظيمة.
إنَّ فرصة الإقبال من أكثر المسلمين على تلاوة القرآن الكريم لا تعوَّض بثمن، وإنَّ توجيه المسلمين والمسلمات إلى تدبُّر القرآن وتأمُّله أثناء تلاوتهم له مهمُّ جدًّا للرقيِّ بالنفوس، وراحة القلوب، وتقويم السلوك، وفتح نوافذ الكون بكلِّ ما فيه أمام الإنسان من خلال القرآن الكريم.
قال صاحبي: حانت منِّي رغبةٌ قويَّة في التعرُّف على معاني آياتٍ كنتُ أقرؤها من سورة (آل عمران) ، فلمّا تأمّلتها وعرفت ما ورد من التفسير فيها شعرت أنّني أمام معانٍ عظيمة لم أنتبه إليها من قبل، مع أنّني أختم القرآن الكريم في كلِّ رمضان - بفضل الله -.
وقفت عند قوله تعالى: {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئًا يُرِيدُ اللّهُ أَلاَّ يَجْعَلَ لَهُمْ حَظًّا فِي الآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ، إِنَّ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ لَن يَضُرُّواْ اللّهَ شَيْئًا وَلهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ، وَلاَ يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِّأَنفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ} .
ثم استرجعت بذاكرتي صور الذين يسارعون في الكفر الصريح الواضح في عصرنا هذا، وتأمَّلْتُ حالة المسلمين الذين يرون جبروت بعض الدول الكافرة وطغيانها في هذا العصر ويتساءل بعضهم: إلى متى هذا، وتأمَّلْتُ ما يقوله أولئك الكفار من عبارات وتصريحات تدلُّ على أنّهم يعيشون سكرة الاغترار بالقوة المادية، والسيطرة، والقدرات العلمية الهائلة، ويظنون أنّهم أوصياء على خلْق الله ويشيرون بطرق متعدِّدة إلى أنَّهم يسعون إلى زيادة السيطرة على العالم لأنّهم أقوياء.
ثم راجعت معاني الآيات الكريمات فهدأت نفسي، وظهرت الصورة واضحةً أمام عيني: (إنَّّه الإملاء الإلهي) و (الإمهال الربَّاني) للمتكبِّرين في الأرض، لماذا هذا الإملاء؟ تجيب الآية مباشرة {لِيَزْدَادُواْ إِثْمًا} وتؤكِّد مباشرة أنّ لهم عند ربِّهم عذابًا مهينًا، وأنّ لهم عنده عذابًا عظيمًا، ومتى يكون هذا العذاب؟ الآيات الكريمات تركت مسألة التوقيت مفتوحة، فهو محتمل أن يكون في الدنيا معجَّلًا، مع كونه حاصلًا في الآخرة لا محالة.
وقد يتساءل الإنسان؟ ماذا أصنع أنا في مقابل هذا الإملاء الإلهي للكفار والطغاة؟ فتأتي الآية التالية لهذه الآيات مجيبة عن هذا السؤال: {مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاء فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ} .
هنا يظهر الجواب جليًَّا، وهنا يشعر الإنسان المسلم بمسؤوليته أمام ما يجري، وأنْ يعلم أنّ الإملاء والإمهال للكفار، يقابله الابتلاء للمؤمن والاختبار، حتى يتبيَّن الخبيث من الطيِّب، وحتى تظهر حقيقة علاقة الإنسان المؤمن بربِّه في خضمِّ الأحداث، وأنَّه مسؤول عن هذه العلاقة مسؤولية مباشرة، وأنّ إيمانه بالله ورسله إيمانًا قويًّا هو المنقذ من حالة الحزن التي تعتريه بسبب الإمهال لأهل الكفر والضلال، وفي بداية الآيات المذكورة هنا أمرٌ إلهي للإنسان المسلم بألاّ يحزن {وَلاَ يَحْزُنكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ} ، لماذا لا نحزن، لأنَّ أمرهم إلى الله، ولأنّهم لا يضرُّون الله شيئًا، ولأنّ إيمانك بربِّك هو المنقذ لك من حزنك وألمك، ومن طغيانهم وجبروتهم.