فهرس الكتاب

الصفحة 26799 من 27345

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

لقد كثر الحديث في السنوات الأخيرة لدى عدد من الكتَّاب المسلمين في مواقع مختلفة من العالم الإسلامي عن"الآخر"، بحيث أصبح من الحق أن نتساءل لماذا هذا الحرص على الآخر، والآخر ليس بحاجة إلى حرصنا عليه، ولا هو حريص علينا. ولماذا تُثار هذه القضية والآخر يدير المجازر في ديارنا غير عابئ بأحد.

فمن قائل يجب أن نقسط مع الآخر، ومن قائل يجب أن نعترف به. ونتساءل ولِمَ لَمْ يكن الأمر على عكس ذلك بأن يقسط الآخر معنا ويعدل معنا، فهو الظالم المعتدي المنِكر لحقوقنا. ومن قائل يجب أن ننفتح عليه ! وهل هناك انفتاح أكثر مما نحن فيه، فُتِحَتْ له القلوب والديار ! إنَّ الآخر بجميع صوره وأشكاله لم يجد في تاريخه أرحم ولا أعدل من الإسلام.

نحن المسلمين اليوم نجابه أخطاراً تحيق بنا من كلّ ناحية. وإن أبسط أنواع التفكير يجب أن تدفعنا جميعاً لندرس نهجاً عمليّاً يعين الأمةعلى الخروج مما يُكاد لها ويُمْكرُ بها، و"الحداثة"لا تُقَدِّمُ لنا النهج والخطة، لا لفظاً ولا معنىً.

إننا بحاجة إلى أن نضبط فكرنا ونهجنا بقواعد الإيمان وحقائق الإسلام ونور الكتاب والسنّة، وفيه كلُّ ما يعين ويُنير الدرب والطريق.

يجب أن لا يدفعنا الإحباط و"الهوان"إلى أن نتلمس النجاة عند"الآخر"، إن سبيل النجاة بيّنه الله لنا وفصَّله، ليبتدئ من ذاتنا حين نتجه إلى الله ونغيُّر ما بأنفسنا، ولننطلق على صراط مستقيم.

إنَّ الإسلام، والإسلام وحده، مصطلحاً ومعنىً ونهجاً، هو الذي يُعلّمنا كيف نحترم أنفسنا وكيف نقسط مع أهل الأرض كلّها، وكيف نتعامل مع شعوب الأرض نحمل رسالة الله، نبلّغهم إياها ونتعّهدهم عليها، بها نخاصم وبها نرضى وبها نتعاون.

مهما شعرنا بعجزنا وضعفنا وهواننا، فإن لحظة الرجوع الصادق إلى الله تحيي في نفوسنا الأمل، وتبعث فينا القوة والعزيمة، وترسم لنا الدرب والأهداف والوسائل والأساليب، في صورة عبادة لله، ووفاء بالأمانة التي حملها الإنسان والتي سيحاسَبُ عليها بين يدي الله.

ولقد كثر الحديث عن"الحداثة"في المجتمعات الإسلامية وطال مداه زمناً غير قليل، والمسلمون في جدال بين رافض وقابل وراغب على استحياء وبين مَنْ يحاول استحداث حداثة راشدة لتقاوم"الحداثة الهجينة"الزاحفة.

خلال ذلك كله، والمسلمون في جدل وحوار، استطاعت"الحداثة الهجينة"اقتحام أسوار الأمة والنفاذ إلى مواقع شتى والتسلّل إلى قلوب كثير من الناس في أقطار شتى من العالم الإسلامي، وتثبيت أقدامها في المواقع: في الإعلام والأدب والفكر. وهذا هو العالم الإسلامي أمامكم !

ولم تكن"الحداثة"وحدها تصارع، وإنما كان معها العلمانية الزاحفة علينا بوسائل الإعلام، ومعها الأدب العلماني والفكر العلماني، ومعها المؤسسات الدولية الداعمة لها، والجيوش الزاحفة كذلك، قوى كثيرة تتساند في هذا الصراع بين أمواج الدماء وتطاير الأشلاء والجماجم في ديار المسلمين المختلفة.

ولقد نهجت هذه القوى"الحداثية العلمانيّة"خطة مكر أصابت نجاحاً، حيث استفادت من ضعف المسلمين وجهلهم بحقيقة إسلامهم، وكثرة تنازلاتهم، وميلهم إلى المهادنة، أو الاستسلام. فسارت على خطّة شيطانيّة حذَّرنا القرآن الكريم منها بقوله سبحانه وتعالى:

( يا أيها الذين آمنوا لا تتبعوا خُطوات الشيطان ومن يتبع خطوات الشيطان فإنه يأمر بالفحشاء والمنكر ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من أحدٍ أبداً ولكنَّ ا لله يُزكّي من يشاء والله سميع عليم )

[ النور: 21 ]

سياسة الخطوة خطوة ! سياسة ماكرة كان قد صرَّح بها كسينجر وزير الخارجية الأمريكي حتى أصبحت خصيصة من خصائص سياسته. وهي سياسة يعتمدها المعتدي في فرض أفكاره وآرائه، وسياسة يعتمدها المعتَدَى عليه في تنازله. فالمعتدي الغازي يطرح بعض أفكاره ومصطلحاته، فَتُرْفض أولاً بضجيج عالٍ وغضبة هائلة. ثمَّ يصرُّ المعتدي ويضاعف جهده ولا يتراجع، حتى يرى بعض الرافضين بدؤوا يستحسنون بعض فكره ومصطلحه، ثم ينتقلون إلى التأييد والبحث عن المسوّغات، فيطرح المعتدي فكره بصورة أوسع مع ما يملكه من زخارف وزينة، أو تهديد وتحذير. حتى نجد من أصبح داعية لفكره لا يقف عند حد التأييد. هذه الصورة واقعية نشهدها جليّة في كثير من ديار المسلمين، حتى أصبحت العلمانية والحداثة الهجينة هي نهج مطبق في دارٍ ودارٍ ودارٍ. والصورة تتكرر: رفض، استحسان، تأييد، دعوة ودعم. فحشدوا لذلك جنوداً كثيرين ظاهرين ومستترين. خطوة خطوة في التنازل أيضاً.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت