اختلاف الفقهاء وأثره في اختلاف العاملين للإسلام
د. علاء الدين الأمين الزاكي*
المطلب الأول: تعريف الاختلاف
في اللغة: مصدر (خلف) يعني عدم الاتفاق، قال الفيروزآبادي: الاختلاف والمخالفة: أن يأخذ كل واحد طريقًا غير طريق الآخر في حاله أو فعله، والخلاف أعم من الضد؛ لأن كل ضدين مختلفان وليس كل مختلفين ضدين" ( [1] ) ."
وفي الاصطلاح:
إن التعريف المشهور الذي ذكره أغلب العلماء هو:"أن يذهب كل عالم إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر في حالة" ( [2] ) ، وقال آخرون:"أن ينهج كل شخص طريقًا مغايرًا للآخر في حاله أو في قوله" ( [3] ) .
والناظر في هذين التعريفين يرى أنهما شاملان لنوعي الاختلاف المحمود والمذموم، ويشمل كذلك الجدل والشقاق، وذلك لأن الجدل هو ذهاب كل عالم خلاف ما ذهب إليه الآخر، ولكن بزيادة شدة؛ ولهذا نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنه وقال: (( أنا زعيم بيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقًا ) ) ( [4] ) .
قال ابن القيم:"علم الجدل هو: علم يقتدر به على حفظ أي وضع يراد ولو باطلًا، وهدم أي وضع يراد ولو حقًا" ( [5] ) .
وكذا الشقاق مع وجود المخالفة، ولكن كما يقول العلواني:"أصله أن يكون كل واحد في شق من الأرض أي نصف منها، فكأن أرضًا واحدة لا تتسع لهما معًا"، كما قال تعالى: (وإن خفتم شقاق بينهما) ( [6] ) .
وبهذا يكون التعريف جامعًا لكل أنواع الاختلاف المحمود والمذموم، ولكن إذا رأينا الاختلاف الصحيح الذي نحن نريده لا بد، وأن يكون فيه قيد ليمنع دخول الجدل الممنوع والشقاق وغيرها، فبالتالي أري أن التعريف الصحيح يكون هو: أن يذهب كل عالم إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر بغية الوصول إلى الحق.
محترزات التعريف:
كلمة (عالم) احتراز من الجاهل فإن مخالفة الجاهل لا يلتفت إليها ولا يعتد بها. وكلمة (خلاف) احتراز من الاتفاق والإجماع.
وكلمة (بغية الوصول إلى الحق) تخرج الجدل والشِّقاق وغيرهما.
حقيقة وجود الخلاف:
لا ينكر أحد وجود الخلاف في الأمة، لا في سابق عهدها، ولا في واقعها المعاصر، وقد وقع في زمان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم أفضل الخلق بعد الأنبياء، كاختلافهم في غنائم بدر، واختلافهم بعد وفاته في غسله ودفنه ومن يكون الخليفة بعده وغير ذلك.
ولا تتوقع أن يتوقف الخلاف نهائيًا؛ لأن الوقوع أظهر دليل على الجواز، ولكن نريد ترشيد هذا الخلاف ليكون خلافًا مثمرًا، داعيًا إلى البحث والتنقيب والوصول إلى الحق. والذي يجعل الخلاف أمرًا حتميًا ما يلي:
(1) تفاوت الناس في أفهامهم وقدراتهم على تحصيل العلم؛ فالناس بحكم الخلقة يختلفون ويتفاوتون في الاستيعاب والنظر في المسائل وجمع أطرافها، وهذا يؤدي بالضرورة إلى وقوع الخلاف بحسب هذا التفاوت؛ وقد ضرب الله مثلًا لهذا النوع من التفاوت، فقال تعالى: (أنزل من السماء ماء فسألت أودية بقدرها) ( [7] ) ، قال ابن كثير رحمه الله:" (أنزل من السماء ماء) أي مطرًا، (فسالت أودية بقدرها) أي أخذ كل واد بحسبه، فهذا كبير وسع كثيرًا من الماء، وهذا صغير وسع بقدره، وهو إشارة إلى القلوب وتفاوتها، فمنها ما يسع علمًا كثيرًا، ومنها ما لا يسع الكثير من العلوم بل يضيق عنها" ( [8] ) .
(2) وضرب كذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلًا فقال: (( مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم كمثل غيث أصاب أرضًا: فكان منها طائفة قبلت الماء؛ فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء؛ فنفع الله به الناس فشربوا ورعوا وسقوا وزرعوا، وأصاب طائفة أخرى إنما هي قيعان، لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله، ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعمل، ومثل من لم يرفع بذلك رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به ) ). قال الحافظ:"قال القرطبي وغيره: ضرب النبي صلى الله عليه وسلم لما جاء به من الدين مثلًا بالغيث العام الذي يأتي الناس في حال حاجتهم إليه، وكذا كان حال الناس قبل مبعثه، وشبَّه السامعين له بالأرض المختلفة التي ينزل بها الغيث، فمنهم العالم العامل المعلم، ومنهم الجامع للعلم غير أنه لم يعمل ولم يتفقه، ومنهم من يسمع ولا يحفظ ولا يعمل به" ( [9] ) .
(3) ويقع التفاوت كذلك في الفهم كما قال تعالى: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان وكلًا آتينا حكمًا وعلمًا) ( [10] ) ، والصحابة كانوا يتفاوتون في الحفظ ودقة النظر لذلك وقع بينهم الخلاف.