الموت المعلن ليس قصة تراجيدية يكتبها الروائي الكولومبي الشهير ماركيز من وحي خياله الساحر، لكنها-للأسف الأسيف- قصة حقيقية،واضحة، وحادة،وصقيلة،وتحمل طعم الدم الساخن في العروق النافرة من طرف سكينة فضية.
إنها ليست قصة (سنتياجو نصار) البطل الأسباني العربي، الذي مات في قرية ماكوندو الكولمبية دون أن يكون هناك سبب واحد لإثبات إدانته.
لكنها قصة يعيش أبطالها بلا أي معنى للبطولة ، يشدهم حبل واحد ، يظل يضغط ويضغط حتى تخرج الألسنة باردة من الحلوق.
إنها قصة موت قد خلع ردائه، ولم يعد يرتدي هيئة الصامت الذي يخطف الأرواح في لحظة ، ويمضي صامتا يجرجر خلفه صيحات الناس: فلان مات.. علان مات.
إنه موت يطال- ويجب أن يطال- كل من كان مسلما أو عربيًا أو أسمرا في العالم، بلا التفات لعولمة أو ديمقراطية أو حقوق إنسان أو وسائل إعلام.
حتى وقت الشنق بالحرير الناعم مضى، كما مضى عهد مسميات: العدوان والاجتياح، والاستعمار، والإمبريالية، والقطبية،و..و..
إنه فقط .. الموت المعلن- أيها العرب- ومن شاء فليسمع ومن شاء فليحيى.
إنها أصدق لحظة تمر بها دولة في العالم مثل (إسرائيل) ، لحظة صدق تعيشها مع نفسها والآخرين.
تقول لنا:نعم نحن مغتصبون، وأنتم من حقكم أن تثوروا، كما أن من حقنا أن نسحقكم كما يُهصر النمل..هذا هو منطق (إسرائيل) اليوم، ومنطق كل صهيوني، منطق لا يَنبُت إلا في وقت الشعور الكبير المطلق بالوجود أو بالعدم.
والتساؤل الكبير يهبط: وهل تشعر (إسرائيل) الآن بالوجود أم بالعدم؟ هل تعضد في أحلام بداياتها أم تسير نحو هاوية نهاياتها؟
والجواب العاجل إن رحنا نطلبه من خلف المكاتب الناعمة، ومن بين الأدراج النائمة، دُقَّت رقابنا بالصواريخ ، وانهالت على رؤوسنا الخيبات وما ثمّ غير الغبار يتصاعد.
إنه الموت المعلن إذن، غرسته الأمم المتحدة تحت مسمى عصبة الأمم في وسطنا العربي جنينًا، فهدهدته أوربا المستعمرة طفلا، ثم سقته الحليب وفطمته أمريكا صبيا، وهاهو ذا يقوى ويجبر أمريكا المرضعة على حمايته شابًا.
إبدأ من أمريكا، ثم تعال أوربا، ثم طف بالعالم العربي الذي أسموه الشرق الأوسط، ثم انظر لآخر دولة في إفريقيا، وفتش عن (إسرائيل) ورايات موتها المعلن.
وانظر لمنطقة جرداء في غرب السودان- لم يسمع بجفافها العالم من قبل-يرفرف اسمها الآن بالحروف الإنجليزية المزركشة كأعظم مأساة إنسانية شهدها العالم وعرفها التاريخ، يطوف بها يهود بيض الاصابع ، سود القبعات، ويصرخون:save darfur .. save darfur.
والصواريخ تنهال على غزة من أجل أسير واحد مقابل الآلاف من الأسرى الفلسطينيين، والموت للبنان من أجل أسيرين.
و (العاقبة للمتقين) تقولها (إسرائيل) عن صدق كذوب، وهزل جاد، تتوعد بها كل من يرفض وجودها في أحشائنا.والعواصم العربية والإسلامية الصامتة تنظر وتنتظر أظفار الموت المعلن.
ألا فلتسمعوا أو فلتحيوا وفي كل خير، ومن قبل صرخ القاص المصري الكبير يوسف إدريس رحمه الله قائلًا: عن عمد ،إسمع تسمع.
ونحن عن طوع:نعجب ونحن نقرأ ليوسف إدريس نفسه كلمات كتبها بالأمس ونرقد عليها نحن الآن، و (إسرائيل) تعربد والعرب تزغرد.
يقول: (وأيضا في 16سبتمبر(أيلول الأسود) بدأ جيش الدفاع الإسرائيلي بنفسه مذبحة أخرى لتصفية بقايا الشعب الفلسطيني في سوريا ولبنان، أذاعت الخبر وكالات الأنباء ، وبنفسها راحت إذاعة إسرائيل تجاهر وبدون أدنى خجل بهجومها على سوريا والأردن، وتصدر البلاغ تلو البلاغ، عن عمليات التمشيط التي تقوم بها قوات (الدفاع) الاسرائيلية، وتتولى فيها قصف مخيمات اللاجئين بالقنابل والنابالم للقضاء على (الارهابيين) أنى وأين كانوا).
(وأي طفل فلسطيني هو"إرهابي"في نظر"إسرائيل"، وأي امرأة"إرهابية"باعتبارها ستلد"إرهابيا"، وأي شيخ إرهابي لأنه لابد أب أوجد ل"إرهابي"..) .
تصوروا: كتب هذا الكلام في سبعينيات النصف الأخير من القرن الماضي وها نحن في القرن الحادي والعشرين.. ترى ما الذي تغير.والإجابة مؤسفة، لا نحن تغيرنا ولا العدو تغير، وصدق الله العظيم: (هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون) .
لهذا فإن الموت المعلن هذا لا تتصدى له إلا الحياة المعلنة المشعة، حياة الكرامة والعيش بعزة.
والحياة حياة الشعوب، وهذه هي المعركة، مع أنفسنا، وهذه هي الحقيقة التي نتذكرها مرة ، ويتذكرها العدو ألف مرة.إذا شاركت شعوب المنطقة متحدة في تنغيص حياة اليهود المغتصبين، فلن تستطيع (إسرائيل) ولا أمريكا أن تواجه شعوبًا تجمعها قضية واحدة وتحركها عقيدة واحدة.
وليأكل الدود الأسلحة العربية، ولتشرب الرمال النفط العربي، ولتذري الريح استنكارات الدبلوماسية، فقد عفت شعوب المنطقة حكامها من أي فعل حي جاد، لأن الحياة الكريمة إرادة، ولا إرادة عربية اليوم.
لذا سيتجه الحل إلى البحث عن إرادة أخرى، ولن تكون غير إرادة الشعوب.