أ. د. عماد الدين خليل 29/3/1426
في مقابل الحملة الشاملة الحاسمة الرهيبة على ظاهرتي (الترف) و (الغنى الفاحش) في التجربة الاجتماعية، ما الذي يقدمه القرآن الكريم عن الفقر والفقراء والمساكين والمعدمين؟ هل هي دعوة للتبرع لهم والإحسان إليهم فحسب؟ فأين إذن السلطة الإسلامية؟ وهل يمنع هذا الأسلوب (الأدبي) ، دونما ضمانات تشريعية، ظهور وتضخم طبقة المترفين وتحول المال إلى دولة بين الأغنياء؟ ما الذي دفع القرآن الكريم إلى أن يعرض في عشرات المواضيع مسألة (الإنفاق) على الفقراء، و (الحض) على إطعامهم، بكل ما يتضمنه فعل (الحض) من قوة وفاعلية لتحقيق هذا الهدف، وهو إشباع الجائعين وسد حاجاتهم الأساسية؟ ومن أولى من السلطة المشرعة والمنفذة، بالتخطيط لهذا المطلب الحيوي الخطير وتنفيذه في عالم الواقع ، بما تمتلكه من قوة وفاعلية؟
صحيح أن (الإنفاق) الفردي و (الصدفة) الاختيارية و (التكافل) الاجتماعي، وغيرها من فاعليات العطاء التي يمارسها المسلم إزاء إخوانه تمثل جزء أساسيًا من برنامج العدل الاجتماعي في الإسلام وتغطي مساحة واسعة من نداءات القرآن في هذا المجال، وتلعب دورًا كبيرًا في إحداث التوازن والانسجام والتعاون والترابط بين أفراد المجتمع المسلم وفئاته، وتجتث أدران الحقد والكراهية والشر لكي تزرع بدلًا منها علائق التكافل والمحبة والخير … لا سيما في الفترات التي تغيب فيها السلطة، فيتعرض الفقراء والمعدمون للموت جوعًا، فتمتد إليهم اليد التي لا (تتبرع) و (تمنّ) ولكن تعطي وتواسي وتندمج وتتعاون لكي تنقذهم من هذا المصير المفجع.
أي منا لم يمارس بنفسه، أو يشاهد إخوانه ورفاقه المؤمنين، يحصون أموالهم سنة بسنة لكي يقتطعوا منها حق (السائل) و (المحروم) ، ويقدموها وزيادة دونما جلبة ولا ضوضاء، في عصر طُرحت فيه شعارات ومزايدات ما زادت الفقراء والمعدمين إلا جوعًا ونصبًا؟!
ومع ذلك فلا يعدو أن يكون هذا (العطاء) ، على أهميته، مساحة محدودة فحسب من المساحات الشاسعة لبرنامج العدل الاجتماعي الذي رسم القرآن والسنة خطوطه العريضة، ونفذ الرسول صلى الله عليه وسلم والراشدون (رضي الله عنهم) مخططاته الفذة، وبنى الفقهاء والمجتهدون على هذا وذاك مقولاتهم ونظرياتهم العجيبة المتفردة.
وفي أكثر من ثلاثين موضعًا من القرآن الكريم ترد الدعوة لإطعام الفقراء والمساكين وسد حاجاتهم الأساسية، وفي أكثر من أربعين موضعًا يرد التأكيد على فريضة الزكاة والصدقات وتقييم دافعيها والتنديد بمانعيها، وفي أكثر من سبعين موضعًا يتردّد ذكر الإنفاق وتُسلّط عليه الأضواء من كافة زواياه، وفي أكثر من موضع يجيء التأكيد على أن هذا العطاء ليس تبرعًا ولا منًّا ولكنه (حق) السائلين والمحرومين (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ(1) (وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ(24) لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (2) (وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ) (3) (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ) (4) .
وفي آيات أخرى يرد الحض على إشباع الجائعين وسد حاجاتهم الأساسية كجزء أصيل من متطلبات الإيمان، كممارسة الصلاة سواء بسواء، وان التوقف عن هذا (الحضّ) يخرج أصحابه من حظيرة الدين ويدمغهم بالكذب (أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ(1) فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (2) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (3) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (4) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (5) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (6) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ) (5) (إِنَّهُ كَانَ لا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ(33) وَلا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (34) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (35) وَلا طَعَامٌ إِلا مِنْ غِسْلِينٍ (36) لا يَأْكُلُهُ إِلا الْخَاطِئُونَ) (6) (كَلا بَل لا تُكْرِمُونَ الْيَتِيمَ(17) وَلا تَحَاضُّونَ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ) (7) .
ولن يكون (الحض) ، ما دام قد اقترن بالإيمان، وأصبح وقفه وقفًا لحركة الدين نفسه، لن يكون بكلمات متثائبة تُقال، أو بيد تدفع بقايا الطعام إلى المساكين الذين يقفون وراء الأبواب خائفين متوسلين. إنما (بالفعل) الدائم والحركة المستمرة، وبالثورة إذا اقتضى الأمر لتحقيق هذا المطلب الأساس … تمامًا كما أن الصلاة فعل دائم وحركة مستمرة، وإنها بمجرد تحولها إلى الظل وإلى أن تغدو ممارسة جانبية، تدمغ صاحبها بالنفاق …
وهذا هو الذي دفع أبا بكر الصديق (رضي الله عنه) إلى أن يشهر السيف بوجه ما نعي الزكاة ويعلن (وَاللَّهُ لأقاتلن مِنْ فَرَّقْ بَيْنِ الصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ) .