فهرس الكتاب

الصفحة 15689 من 27345

ولا يتصورَنّ أحد أن كثرة ورود الفقراء والمساكين وأبناء السبيل في القرآن الكريم، يجيء بمثابة تأكيد لأبدية ظاهرة (الفقر والحرمان) التي هي كما هو معروف اجتماعيًا مسألة (نسبية) ، لأن كثرة ورود الكفر والشرك، واللات وهبل والعزى، ووأد البنات، وأكل مال اليتيم، وممارسة الربا أضعافًا مضاعفة، وشرب الخمر ولعب الميسر، وعبادة الناس، لا تحمل أية دلالة على أبديتها!! ثم إن القرآن الكريم لا يمكن أن يناقض نفسه فيدعو إلى تأييد ظاهرة يشن هو نفسه الحملة عليها، ويصل بها في إحدى آياته إلى أن يربطها بالشيطان وبما يأمر به ويدعو إليه من الفحشاء (يَعِدُكُمْ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) (8) .

وثمة آيات أخرى تصل بنا إلى آفاق أبعد في مسألة التوازن الاجتماعي.. الآية التي تطلب من المسلمين، دولة وجماعة، أن (يتحركوا) مقاتلين مجاهدين لإنقاذ المستضعفين في الأرض من أيدي ظالميهم وجلاديهم وتعطي الإشارة إلى أن (السيف) هو الحكم الأخير عندما تعجز كل الأساليب الأخرى عن وقف الظلم وتخليص البائسين … وان الجهاد تلك الثورة المسلحة هي الحركة التي تنقل المقاتل المسلم الى كل ميدان يمارس فيه الظلم ضد الإنسان، أيًا كان شكل هذا الظلم وأيًا كانت دوافعه: (وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) (9) .

وهذه الآية التي يطرحها القرآن ليتحرك المسلمون على ضوئها على المستوى الجماعي، تقابلها آية أخرى تدعوهم إلى أن يتحركوا على المستوى الفردي كذلك، وأن يقتحموا (العقبة) ، هكذا، بكل ما يتضمنه (فعل) الاقتحام من قوة وعنف وإرادة لا بد منها جميعًا لاجتياز الحاجز (وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ(12) فَكُّ رَقَبَةٍ (13) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (14) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ) (10) … تحرير المستعبدين وإطعام الجائعين، ذلك هو الهدف الذي يقتحم المؤمن من أجله الحواجز بقوة وعنف وحزم وإرادة!!

والآية التي تطرح نفسها كسؤال خطير أمام الرسول صلى الله عليه وسلم وأمام أي (مشرع) مسلم يجيء بعد الرسول صلى الله عليه وسلم: (وَيَسْأَلُونَكَ: مَاذَا يُنفِقُونَ؟ ) ويجيء الجواب الدائم غير الموقوت، بينًا صريحًا: (قُلْ: الْعَفْوَ) (11) !!

والعفو هنا هو كل ما زاد عن الحاجة … وسنتذكر هذا المبدأ الخطير في التسوية الاجتماعية عندما نستمع فيما بعد إلى إحدى كلمات الرسول صلى الله عليه وسلم، ولا بأس أن نوردها هنا ، قال صلى الله عليه وسلم (من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل زاد فليعد به على من لا زاد له …) ويقول شهود العيان: إن الرسول صلى الله عليه وسلم ذكر من أصناف المال ما ذكر حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل)!!

وهنالك الآية التي (تأمر) المسلمين: دولة ومشرّعًا وجماعة، ألاّ يسمحوا لأموالهم التي لكل فئة منهم حق معلوم فيها، والتي جعلها الله لهم سببًا من أسباب البقاء والنماء، أن تذهب إلى (السفهاء) ، بهذا التعبير الصريح في تنديده (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا) (12) . والآيات التي تقطع الطريق على أية محاولة لطمس حقوق الناس في أموالهم لكي يزداد أصحاب السلطة والواجدون غنى، والفقراء والمعدمون فقرًا، وتسم هذه المحاولة التي يمكن أن تتم بألف أسلوب بالإثم والعدوان والظلم والإجرام، أكثر من ذلك تسمها بقتل النفس. وليس كفقدان العدل الاجتماعي معولًا ينزل على بنية المجتمعات فيفتتها ويدمرها ويمحوها (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) (13) (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا) (14) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا(29) وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا) (15) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت