فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
- 📄
محمود محمد طه والترابي (2/1) معتصم أبّكر محمود*
إننا في بلد هي حبلى بالحوائج، بلد تحتاج إلى إعادة صياغة في الرؤى مثلما تحتاج إلى تنمية، وتحتاج إلى تفتيت المفاهيم الخاطئة والعادات العقيمة مثلما تحتاج إلى لقمة العيش، وتحتاج إلى جهود جبارة لتعرف كيف تضع الأشياء في موضعها الصحيح مثلما تحتاج إلى سلام.
إن في هذا البلد من يتصدى للحديث عن كل شيء، وباسم كل شيء، وينصب من نفسه ما يريد، ويرسم من حوله هالة بقدر ما يريد، ومما أغرى الكثيرين من ضعاف النفوس أننا نهب الألقاب بسخاء رهيب؛ فنلقب كلا بما يحلو له، ونقدر كل من أراد لنفسه التقدير؛ ففي هذه البلاد من نطلق عليهم علماء ولا علم، وخبراء وليس ثمة خبرة، ومثقفين بلا ثقافة، ومفكرين بلا فكر، ورموزا بلا مضامين، وزعماء بلا زعامة، وقياديين بلا قيادة، وكتابا بلا كتابة!!.. إننا بحق نحتاج إلى التخلي عن نزعتنا نحو إعلاء البشر، وإلى إعادة النظر حتى في رموزنا.
لقد قرأت مقالًا بقلم سعيد ميرغني حمور المحامي في جريدة الأيام العدد 8472؛ وهو الجزء الثامن وقد جاء تحت عنوان (في ذكرى كبير الشهداء محمود محمد طه) !!.. وقد قال ما قال، واستشهد ببعض الكتابات؛ فأخذ عن مقال البروفيسور محمد سعيد القدال قوله: في 18/1/1985م: أقدم نميري على إعدام محمود محمد طه لمعارضته القوانين التي أصدرها باسم الإسلام!!.. وفي 18/1/1986م أقيم مهرجان بدار أساتذة جامعة الخرطوم بمناسبة مرور عام على تلك الذكرى المشؤومة، وألقى كلمة بعنوان: إعدام المفكرين في التاريخ الإسلامي!!..
إنني لست هنا بصدد تناول آراء ذلك الرجل، ولكن ما يثير الدهشة هو لماذا في الوقت بالذات نشطت الأقلام التي تسعى إلى إحياء التراث المحمودي!!..
بالله قولوا: أي مفكر كان ذاك الرجل؟!.. وماذا تعني كلمة (مفكر) ذات الجرس الرصين؟!.. هل هي مجموعة آراء مبتكرة تجاوز المرجعية؟!.. وإلا فما المقصود بها؟!..
إن اختلاق الباطل أمر خطير، ولكن التغني به، ومحاولة نشره أخطر!!.. اسمعوه يقول: (وإعدام المفكرين باسم الدين ظاهرة قديمة قدم الصراع الاجتماعي!!.. فكلما احتدم ذلك الصراع؛ وعبر عن نفسه في آراء وأفكار كلما لجأت الفئات المندحرة تاريخيا إلى سلاح القهر؛ لتحمي به نفسها من حتمية الزوال؛ فتتهم معارضيها بالكفر والزندقة) !!..
إذا كانت هنالك فئة تهددها تلك الأفكار فهي ليست جديرة بالبقاء!!..
ثم إن الاتهام بالكفر والزندقة له مبرراته الفقهية، والعقدية!!.. وإذا كان البعض يتضايق من هذه الأحكام فله ذلك، ولكن يجب ألا ينكرها!!..
فكبير الشهداء - كما يسميه سعيد - لا يعد سوى جاهل؛ قال بما لم يعلم في الله!!..
هل قرأت مثلًا ما قاله شيخك؟!.. وهل علمت أنه اعترض على حكم الله في حق المرأة؛ ووصفه بعدم العدل!!.. حيث قال: (تجد أن حظ المرأة في تشريع الإسلام الذي بين أيدينا الآن حظ مبخوس؛ فهي على النصف من الرجل في الشهادة، وعلى النصف منه في الميراث، وعلى الربع منه في الزواج، وهي دونه في سائر الأمور الدينية، والدنيوية!!.. فلماذا؟!) ..
إن هذه الكلمات لا يتفوّه بها ملحد؛ ناهيك عن إنسان تطلق عليه لقبًا مشرفًا (الفكر الإسلامي) !!..
إن ساحة الفكر الإسلامي قد صارت مرتعا لكل من يريد؛ مثل ساحة الغناء تماما!!.. وأرجو ألا يأتي يوما نصنفه فيه إلى: فكر إسلامي هابط، وفكر إسلامي أصيل؛ أسوة بالغناء!!..
إن ذاك الشخص لم يرض بحكم الإسلام فكيف ينتج فكرًا إسلاميًا؟!.. وإذا كان يعترض على حكم الله فهل يسمى مُجدّدًا أم هادمًا؟!.
وكان يقول بعدم صلاحية الرسالة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم لزماننا هذا!!.. وهو الذي قال: (وأمر الحجاب، وعزل النساء عن الرجال ليس أصلا في الإسلام؛ وإنما تشريع انتقال!!.. والأصل السفور، والأصل المجتمع المختلط من رجال ونساء) !!..
وهو الذي قال: (إن الزكاة ذات المقادير التي بينها الرسول صلى الله عليه وسلم في سنته ليست أصلًا في الإسلام؛ وإنما كانت تشريعا لفترة محدودة؛ وهي لا تناسب زماننا) !!..
وقال: (إن كثيرًا من صور التشريع الذي بين أيدينا الآن ليست مراد الإسلام بالأصالة؛ وإنما تنزل لملابسة الوقت، والطاقة البشرية) !!..
والكثير الذي لا يتسع له هذا المقال.. ومن أراد الزيادة فليقرأ كتاب (نقض مفتريات محمود محمد طه) للدكتور الأمين داوود.
ومع ذلك يقول سعيد عن إعدامه: إن هذا السلوك يعبر عن الضعف الفكري، والجهل بطبيعة العلاقة، وقدرتها على البقاء من جانب، والإنسان بجسده الفاني من الجانب الآخر!!.. إن اغتيال المفكرين يشعل من أفكارهم؛ ويتحوّل الدم المسفوك إلى ينبوع ريّ؛ يغذي تلك الأفكار؛ فتنمو، وتزدهر عبر الزمن!!..