فهرس الكتاب

الصفحة 19283 من 27345

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله ..

وبعد: فهذه أحاديث تربوية في الإنفاق في سبيل الله تعالى لرفع مستوى المسلمين وإنقاذهم مما يمر بهم من حاجات ونكبات , ومما جاء في فضل الصدقة في سبيل الله جل وعلا ما أخرجه الإمام مسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"ماتصدق أحد بصدقة من طيِّب ولايقبل الله إلا الطيب إلا أخذها الرحمن بيمينه وإن كانت تمرة , فتربُو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل , كما يربِّي أحدكم فَلُوَّه أو فصيله" ( [1] ) .

وهكذا يتضاعف الأجر للإنسان على إنفاقه مالَه في سبيل الله تعالى أضعافًا كثيرة في الآخرة, فلو نظر الإنسان إلى مشروع تجاري يدفع فيه قليلا من المال ثم يحصل بعد ذلك على الكثير بشكل مضمون لكان كل عاقل يسعى إلى المشاركة في ذلك المشروع, مع أنه كسب دنيوي في حياة قليلة الأمد لا يعرف الإنسان مدة بقائه فيها , فكيف إذا كان الغرض لدفع مبلغ من المال من أجل الله سبحانه لمواساة المحتاجين وكشف الضرر عن المتضررين في مقابل الحصول على أضعاف مضاعفة في دار خلود نعيمها لايمكن تصور عظمته وجلاله ؟

ويبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فضل المنفقين في سبيل الله تعالى بقوله"الأيدي ثلاثة , فيد الله العليا ويد المعطي التي تليها , ويد السائل السفلى , فأعطِ الفضل ولاتَعْجز عن نفسك"أخرجه أبو داود رحمه الله تعالى من حديث مالك بن نضلة الجشمي رضي الله عنه ( [2] ) .

فهذا الحديث فيه إشادة كبيرة بالمتصدقين حيث رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم منزلتهم وشرَّفهم بالذكر مع الله تعالى .

وإنما جاز المتصدق تلك الدرجة العالية في الآخرة لأنه قد استعلى على نفسه في الدنيا فكبح جماحها وألزمها إنفاق المال وهي تحب إمساكه , فكان جديرا بالرفعة والتقدم .

أما السائل فإن يده هي السفلى لأنه تحوَّل نحو الاتجاه الآخر , فهناك نقطة يبدأ منها العلو, وفي درجات هذا العلو يسمو المتصدقون على قدر إخلاصهم وبذلهم , وهناك نقطة يبدأ منها السفول, فإذا توجه الإنسان نحو السؤال فإنه يكون قد توجه نحو الانحدار إلى الأسفل فَعَمَلُ السائل والمتصدق متناقضان , فالسائل يأخذ والمتصدق يعطي , فلهذا صارت عاقبتهما التناقض, حيث صار المتصدق في العلو وصار السائل في السفل .

ثم جاء توجيه النبي صلى الله عليه وسلم للمسلم بأن يعطي ما زاد عن حاجته من ماله لمن هم بحاجة إليه من المسلمين وحيث إن إخراج المال يحتاج إلى مجاهدة مع النفس التي تميل نحو إمساك المال والاعتزاز به فإن النبي صلى الله عليه وسلم يوجه المسلم إلى العزم الأكيد نحو الصدقة , والحزم الشديد في مقاومة رغبات النفس وميولها .

وقد أخذ الصحابة رضي الله عنهم بهذا التوجيه النبوي , وممن اشتهروا بذلك معاذ بن الحارث رضي الله عنهما ( [3] ) .

قال أبو الفرج ابن الجوزي رحمه الله تعالى: وعن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: كان ابن عفراء لايدع شيئا إلا تصدق به , فلما وُلد له استشفعت إليه امرأته بأخواله , فكلموه وقالوا له: إنك قد أعَلْتَ فلو جمعت لولدك , قال: أبَتْ نفسي إلا أن أستتر بكل شيء أجده من النار فلما مات ترك أرضا إلى جنب أرض رجل, قال عبد الرحمن - وعليه ملاءة صفراء ماتساوي ثلاثة دراهم -: ما يسرني الأرض بملاءتي هذه , فامتنع ولي الصبيان , فاحتاج إليها جار الأرض فباعها بثلاثمائة ألف ( [4] ) .

فهذا معاذ بن الحارث رضي الله عنهما يتصدق بكل ماوقع تحت يده ماعدا القوت الضروري, وهذا من أعلى أنواع الكرم , وقد كان الدافع له إلى هذا الكرم النادر طلب مغفرة الذنوب والعتق من النار

ولما كان معاذ بن عفراء قد وكل أمر أولاده إلى الله عز وجل ولم يمسك ماله من أجلهم فإن الله تعالى قد عوضهم من بعده بارتفاع قيمة تلك الأرض التي لم تكن تساوي في حياته إلا القليل.

كما كان الصحابة يهتمون بحسن الخاتمة التي هي أثر من آثار الصدقة , ومن ذلك ما روي عن حارثة بن النعمان الأنصاري رضي الله عنه , وذلك فيما أخرجه محمد بن سعد من خبر محمد بن عثمان عن أبيه: أن حارثة بن النعمان كان قد كُفَّ بصره فجعل خيطا في مصلاه إلى باب حجرته ووضع عنده مكتلا فيه تمر وغير ذلك , فكان إذا سلَّم المسكين أخذ من ذلك التمر ثم أخذ على الخيط حتى يأخذ إلى باب الحجرة فيناوله المسكين , فكان أهله يقولون نحن نكفيك, فيقول: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن مناولة المسكين تقي ميتة السوء" ( [5] ) .

فهذا الصحابي الجليل كان عظيم الاهتمام بالصدقة ومراعاة المساكين , حيث كان يناولهم الصدقة بنفسه , وفي ذلك مافيه من النشوة والفرح في رؤية علامات السرور والغبطة على وجوه الفقراء فلما كُفَّ بصره لم يجعل ذلك عائقا عن القيام بهذه المهمة الجليلة مكتفيا بسماع أصوات المساكين بالدعاء له الذي يرجو من ورائه الخاتمة السعيدة في الدنيا والظفر برضوان الله تعالى والسعادة في الجنة .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت