فهرس الكتاب

الصفحة 14985 من 27345

السؤال: ما حكم لبس النعال أو خلعه أثناء زيارة المقابر ، و المشي بين القبور ؟ و هل يؤذي ذلك أهلها ؟

الجواب:

أقول مستعينًا بالله تعالى:

اختلف العلماء في حكم لبس النعلين أثناء زيارة المقابر على أقوال:

• أولها: النهي مطلقًا ، لحديث بشير بن الحصاصية رضي الله عنه قال: بينما أنا أُماشي النبيَّ صلى اللّه عليه و سلم نظرَ فإذا رجلٌ يمشي بين القبور عليه نعلان فقال: ( يا صَاحبَ السِّبْتِيَّتَيْنِ ! وَيْحَكَ أَلْقِ سِبْتِيَّتَيْكَ ) .

رواه أبو داود و ابن ماجة و النسائي و أحمد و الحاكم ، و قال: ( هذا حديث صحيح الإسناد و لم يخرجاه ) ، و حسَّنه الألباني .

و النعال السبتية بكسر السين المهملة هي التي لا شعر فيها ، و غالبًا ما تتخذ من جلود البقر المدبوغة بالقرظ ، و سميت النعال بذلك لأن شعرها سَبَتَ عنها ؛ أي حُلِق و أزيل ، كما قرَّر أهل اللغة .

و ليست السبتية من النعال مقصودة بالتحريم بذاتها لعدم الفارق بين نعل و آخر في العلة - و إن لم تذكر - كما قال الشوكاني في نيل الأوطار ، و ربما ذكرت النعلان السبتيتان دون غيرهما هنا لتنبيه صاحبهما بما يستدعي انتباهه ، أو لبيان واقع الحال عند ورود النهي .

و هذا الحديث نص في النهي ، و النهي مفيد للتحريم بظاهره ، ما لم يصرفه عنه صارف .

• القول الثاني: استحباب خلع النعال عند زيارة القبور ، و هو اختيار ابن قدامة في المغني حيث قال رحمه الله:

لذلك قال الإمام أحمد رحمه الله: إسناد حديث بشير بن الخصاصية جيد ، أذهب إليه إلا من علة . اهـ .

قلت: و لعل العلة المقصودة ما يبلغ ضرره ، و يصعب تجنبه بغير الانتعال كالشوك ، و النجاسة ، و هوامِّ الأرض ، و نحو ذلك مما يوجد أو يكثر وجوده في المقابر ، و غير المعمور من الأرض .

• و ثالث أقوال أهل العلم هو الإباحة مطلقًا ، و دليلهم على ذلك ما رواه أصحاب الكتب الستة و غيرهم عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ سَلَّمَ قَالَ: ( الْعَبْدُ إِذَا وُضِعَ فِي قَبْرِهِ وَ تُوُلِّيَ وَ ذَهَبَ أَصْحَابُهُ حَتَّى إِنَّهُ لَيَسْمَعُ قَرْعَ نِعَالِهِمْ ) .

قلت: قوله: ( تُوُلِّيَ ) بالمبني للمجهول لفظ البخاري ، و معناه أن الملائكة تولت أمر سؤاله و حسابه كما قال الحافظ في الفتح ، و رواه مسلم و غيره بلفظ: ( تَوَلَّى عنه أصحابه ) بالمبني للمعلوم ، و معناه على هذه الرواية ظاهر جلي ؛ أي تركوه و أسلموه لما يستقبل و قفلوا عنه راجعين .

و وجه استدلالهم بحديث أنس على جواز المشي بالنعال بين القبور أن النبي صلى الله عليه و سلم ذكره و أقرَّه ، و لو كان مما ينهى عنه لنهى عنه عند ذكره ، إذ إنَّ تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ، كما هو مقرر عند الأصوليين .

و إلى هذا القول ذهب الإمام النسائي و الطحاوي و غيرهما .

و قال ابن قدامة المقدسي رحمه الله: ( أكثر أهل العلم لا يرون بذلك بأسا ، قال جرير بن حازم: رأيت الحسن ، و ابن سيرين يمشيان بين القبور في نعالهما ) .

• و القول الرابع: هو التفريق بين النعال السبتية و غيرها ، و قصر التحريم على السبتية ، و هذا مذهب الإمام المحقق أبي محمد بن حزم الظاهري رحمه الله ، فقد قال في المحلى: ( وَ لاَ يَحِلُّ لأَحَدٍ أَنْ يَمْشِيَ بَيْنَ الْقُبُورِ بِنَعْلَيْنِ سِبْتِيَّتَيْنِ ؛ وَ هُمَا اللَّتَانِ لاَ شَعْرَ فِيهِمَا ، فَإِنْ كَانَ فِيهِمَا شَعْرٌ: جَازَ ذَلِكَ فَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا بِشَعْرٍ ، وَ الأُخْرَى بِلاَ شَعْرٍ جَازَ الْمَشْيُ فِيهِمَا ) .

ثمَّ ذكر حديث أنس رضي الله عنه في سماع الميت قرع نعال أصحابه إذا تولَّوا عنه ، و عقَّبَ عليه بقوله: ( فَهَذَا إخْبَارٌ مِنْهُ عليه السلام بِمَا يَكُونُ بَعْدَهُ ، وَ أَنَّ النَّاسَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ سَيَلْبَسُونَ النِّعَالَ فِي مَدَافِنِ الْمَوْتَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، عَلَى عُمُومِ إنْذَارِهِ عليه السلام بِذَلِكَ ، وَ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ ، وَ الأَخْبَارُ لاَ تُنْسَخُ أَصْلًا ) .

قال أبو الخطاب: يشبه أن يكون النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إنما كره للرجل المشي في نعليه لما فيهما من الخيلاء فإن نعال السبت من لباس أهل النعيم ، فقد قال عنترة في ميميته مفاخرًا بما صنع و هو يصف الفارس الذي أرداه بأبيات منها:

بطلٌ كأن ثيابه في سرحةٍ *** يحذي نعال السبت ليس بتوأم

الترجيح:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت