فهرس الكتاب

الصفحة 25136 من 27345

موقف السلف من نشر، أو سماع شبهات أهل البدع

إن نشر وقراءة وسماع الشبهات والأفكار المنحرفة، سواء كانت على هيئة حوارات، أو محاضرات، أو منتديات، أو تمثيليات.. إلخ. من غير إنكار ولا رد؛ إن كل ذلك مما يجب أن يمنع؛ لكيلا يتشرب القلب بالشبهات، ولكي يحفظ المسلم عمره من أن يضيع فيما لا ينفعه في الآخرة. ولكي لا يتحمل وزر غيره ممن يضلّون بسماعهم، أو قراءتهم لما ينشر من الشبهات، قال تعالى: لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [25] } [سورة النحل] .

أما من كانت لديه القدرة على رد الشبهات، وتفنيد الباطل وفضحه للناس؛ فإن الأمر حينئذ يختلف، ويصبح في سماع الباطل مصلحة لمعرفة من وراءه، والرد عليه، وفضحه للناس وحمايتهم من خطره وشبهاته.

وقد حذر الله من حضور المجالس التي يخاض فيها بالباطل، فقال: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [68] } [سورة الأنعام] .

وقد جعل الله المشارك في مجالس الباطل دون إنكار لما فيها من الأقوال الباطلة من ضمن أهل الباطل؛ وذلك في قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا [140] } [سورة النساء] .

وإن مما يؤسف له اليوم تلك المواقف المتميعة من بعض الدعاة تجاه الأقوال المبتدعة والأفكار المنحرفة؛ حيث مكنوا لأهل البدع والعلمنة أن يقولوا باطلهم في مجلاتهم، ومواقعهم الإسلامية في شبكة الإنترنت، أو في بيوتهم، ومنتدياتهم، وألقوا سمعهم إليهم بحجة الحرية الفكرية والنقاش الحر!! حتى أضحت تلك المنابر طريقًا للاختراق الثقافي العلماني والبدعي، وسلمًا لتزيين الباطل وتلميع رموزه ودعاته، وأخشى أن يكون أولئك ممّن قال الله فيهم:يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ ... [2] } [سورة الحشر] . ففي هذا مخالفة لكتاب الله، وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومنهج السلف الصالح رضي الله عنهم.

أما المخالفة للقرآن الكريم: فكما مر بنا في آية الأنعام، وآية النساء من النهي عن مجالسة الخائضين في الباطل، إلا أن يبين باطلهم وينكر عليهم، في حالة عدم القدرة على منعهم. أما أن تفتح لهم أبواب المجلات والمواقع والبيوت؛ فهذا منكر قد نهى الله عنه أشد النهي، يقول الشيخ السعدي رحمه الله عند قوله تعالى في سورة الأنعام: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ ... [68] } [سورة الأنعام] :'المراد بالخوض في آيات الله: التكلم بما يخالف الحق، من تحسين المقالات الباطلة، والدعوة إليها، ومدح أهلها، والإعراض عن الحق، والقدح فيه وفي أهله. فأمر الله رسوله أصلًا، وأمته تبعًا، إذا رأوا من يخوض في آيات الله بشيء مما ذكر، بالإعراض عنهم، وعدم حضور مجالس الخائضين بالباطل والاستمرار على ذلك، حتى يكون البحث والخوض في كلام غيره. فإذا كان في كلام غيره، زال النهي المذكور. فإن كان مصلحة، كان مأمورًا به، وإن كان غير ذلك، كان غير مفيد ولا مأمور به. وفي ذم الخوض بالباطل، حث على البحث، والنظر، والمناظرة بالحق.

ثم قال: {وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ} أي: بأن جلست معهم، على وجه النسيان والغفلة: {فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} يشمل الخائضين بالباطل، وكل متكلم بمحرم، أو فاعل لمحرم، فإنه يحرم الجلوس والحضور عند حضور المنكر الذي لا يقدر على إزالته. هذا النهي والتحريم لمن جلس معهم، ولم يستعمل تقوى الله، بأن كان يشاركهم في القول والعمل المحرم، أو يسكت عنهم، وعن الإنكار، فإن استعمل تقوى الله تعالى، بأن كان يأمرهم بالخير، وينهاهم عن الشر والكلام الذي يصدر منهم، فيترتب على ذلك زواله وتخفيفه فهذا ليس عليه حرج ولا إثم، ولهذا قال: وَمَا عَلَى الَّذِينَ يَتَّقُونَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَكِنْ ذِكْرَى لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ [69] } [سورة الأنعام] ، أي: ولكن ليذكرهم، ويعظهم، لعلهم يتقون الله تعالى' [تفسير السعدي، 2/33] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت