كم في استشهاد الشيخِ احمد ياسين.. مِن عِبْرَةٍ للمسلمين د. محمد عمر دولة*
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على إمامِ المجاهدين وقائد الغر المُحَجَّلين وعلى آله وصحبه أجمعين، الذين قال الله تعالى في شأنهم: (أشداءُ على الكفار رحماءُ بينَهم) . [1] ورضي الله عن كلِّ مَن تبعهم امتثالًا لقولِ الله عزَّ وجل: (يا أيها الذين آمنوا مَن يَرْتَدَّ مِنكم عن دينِه فسوفَ يأتي اللهُ بقومٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونه أَذِلَّةٍ على المؤمنين أعِزَّةٍ على الكافِرين يُجاهِدُون في سبيلِ اللهِ ولا يَخافُون لومةَ لائمٍ ذلك فضلُ الله يُؤتِيهِ مَن يشاءُ واللهُ واسِعٌ عليم) . [2]
وبعد، فقد نُعِيَ إلى أمَّتِنا اليومَ رجلٌ بارٌّ وفارسٌ مِغْوارٌ؛ ألا وهو فضيلة الشيخ المجاهد أحمد ياسين أسْكَنَهُ اللهُ الفردوسَ الأعلى. فقد أقدمَ اليهودُ المجرِمُون على اغتيالِه بعد صلاةِ الصبحِ وهو راجعٌ من المسجدِ. وذلك بأمرٍ من السفَّاحِ شارون؛ أقرَّ اللهَ عُيونَنا بمصرَعِه وسفكِ دمِه.
فكأنَّ الشيخَ المجاهدَ أحمد ياسين ـ تقبَّله اللهُ في الصدِّيقين ـ قد كتبَ وصيَّةً بدمائهِ للمسلمين في مطلعِ صفر من هذا العام (1425هـ) [3] ضَمَّنَها كلماتٍ من نورٍ؛ أرادَها عِبَرًا نُحاولُ قراءتَها في هذه السطور.
فالعبرةُ الأولى: أنَّ أقدارَ اللهِ شاءتْ أن يأتيَ اغتيالُ الشيخِ المجاهد أحمد ياسين بطائرةِ (الأباتشي) الأمريكية بعد سنةٍ كاملةٍ من تاريخِ احتلالِ بغداد؛ لتؤكِّدَ لنا الأحداثُ ترابُطَ خُيوطِ المؤامرة وأنَّ المعركةَ على الإسلامِ واحِدةٌ وإن اختلفتْ أشكالُها وتعدَّدَتْ أشخاصُها من بلادِ الرافدين إلى أفغانستان إلى فلسطين. وهذا ما ظلَّ يُدندنُ حولَه المجاهدون؛ فجاء اغتيالُ الشيخ بالسلاحِ الأمريكي ليؤكِّد هذا التحالف بين اليهود والصليبيِّين على محاربة المسلمين، كما قال تعالى: (ولن ترضى عنك اليهودُ ولا النصارى حتى تتبعَ ملَّتَهم) ، [4] (ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردُّوكم عن دينِكم) . [5]
والعبرةُ الثانية: أنَّ الشيخ أحمد ياسين رحمةُ اللهِ عليه قد ختمَ حياتَه بمسكِ الختامِ، وودَّعَ الدنيا بمعراجِ المسلم؛ فقد حرصَ الشيخُ العجوزُ المقعَدُ على صلاةِ الصبحِ في المسجد ـ وتلك من صفاتِ الذين يَتَّخِذُ اللهُ منهم شهداء ـ بينما آلافُ المسلمين ينامُون عن صلاةِ الصبح ـ ومنهم شبابٌ أقوياء ـ والمساجدُ خاويةٌ حولَ بيوتِهم، وبعضُهم والعياذُ باللهِ لم يُصَلِّ للهِ ركعةً!
والعبرةُ الثالثة: أنَّ الشيخ أحمد ياسين قد عاشَ عمرَه كلَّه يحمل هَمَّ فلسطين وأرضَها المغصوبة وحقوقَها السليبة؛ فشرَّفَه اللهُ بأنْ رَوَّى هذه الأرضَ المقدَّسةَ من دمائه الزَّكِيَّة. وهكذا فلْيكن استعدادُ طلابُ الشهادة لإحدى الحُسْنَيَيْن؛ فقد كان الشيخ المجاهدُ يَعِي أنَّ طريقَ الجهادِ ثمنُه بذلُ الأرواح؛ ولكنَّه أدركَ معنَى قولِ اللهِ عزَّ وجلَّ: (وعسى أنْ تكرَهُوا شيئًا وهو خيرٌ لكم) [6] مع إدراكِه أنَّ من أسبابِ تضييعِ الدِّين واحتلالِ فلسطين تخاذلَ المسلمين؛"وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة؛ فإنه شرٌّ؛ لأنه يُعْقِبُ الخذلانَ وتسلُّطَ الأعداء على الإسلام وأهلِه، وحصولَ الذلِّ والهوان، وفواتَ الأجرِ العظيم، وحصولَ العقاب". [7]
والعِبرةُ الرابعة: أنَّ المسلمَ الهُمامَ لا يقبل الذُّلَّ والانهزامَ؛ فإنَّ الشيخَ المجاهدَ قد رأى في شَبِيبَتِه وشَيْبَتِه مِن ذُلِّ المسلمين ما رأى، وأحْزَنَهُ هَوانُهم على العالَمِين؛ حيث صارُوا تُداسُ مُقدَّساتُهم وتُستباحُ بلادُهم ويُغْزَوْن في دِيارِهم مِن اليهود والنصارى؛ فعزَمَ على التضحيةِ بنفسِه زاهِدًا في هذه الحياةِ، واختارَ الرفيقَ الأعلى:
والعِبرةُ الخامسة: أنَّ استشهادَ الشيخ أحمد ياسين يُذكِّرنا بأنَّ الشهادةَ مرصودةٌ لأهلِها، وأنَّ الجنةَ (اُعِدَّتْ للمتقين) ؛ فهنيئًا للمُجاهِدين (الذين يَظنُّون أنهم مُلاقُو ربِّهم وأنهم إليه راجعون) [8] فقد ارتحلَ بهم شوقُهم وحنينُهم إلى جنَّات النعيم؛"فهذا الذي خفَّف عليهم العبادات، وأوجبَ لهم التسلِّيَ في المصيبات، ونفَّسَ عنهم الكُربات، وزَجَرَهم عن فعل السيّئات؛ فهؤلاء لهم النعيمُ المقيمُ في الغرفات العاليات"! [9]
والعبرةُ السادسة: أنَّ اليهودَ والنَّصارى لا يَزالون يُقاتِلون المسلمين؛ مهما توهَّم المنهزمون، ولا يَرْضَوْنَ عنهم إلى يوم الدِّين، كما قال الله عز وجلَّ: (ولا يَزالُون يُقاتِلُونكم حتى يَرُدُّوكم عن دِينِكم إن استطاعوا) . [10] فواللهِ ـ يمينًا بارَّةً ـ ما قتلوا الشيخَ أحمد ياسين ومَن قبلَه من الاستشهاديِّين؛ إلا لأنَّ هذا الشيخَ الصالح ومَن معه قد بَثُّوا روحَ الجهادِ في فلسطين، ونَصروا عقيدةَ الولاءِ للمسلمين والبراءِ من اليهود المجرمين.