فهرس الكتاب

الصفحة 21059 من 27345

والعبرةُ السابعة: أنَّ الشهادةَ في سبيلِ اللهِ غايةُ الصالحينِ وبُغْيةُ المجاهدين، وقد قال تعالى: (ولا تقولُوا لمن يُقتَلُ في سبيلِ اللهِ أمواتٌ بل أحياءٌ ولكنْ لا تشعرون) [11] فـ"في هذه الآيةِ أعظمُ حَثٍّ على الجهادِ في سبيلِ الله ومُلازمةِ الصَّبرِ عليه؛ فلو شعر العبادُ بما للمُقاتلين في سبيلِ الله من الثوابِ لم يَتخلَََّفْ عنه أحدٌ! ولكنَّ عدمَ العلمِ اليقينيِّ التامِّ هو الذي فتَّرَ العزائم، وزاد نومَ النائم، وأفاتَ الأجورَ العظيمة والغنائم؛ لِمَ لا يكون كذلك والله تعالى قد (اشترى من المؤمنين أنفسَهم وأموالَهم بأنَّ لهم الجنةَ يُقاتِلُون في سبيلِ اللهِ فيَقتُلون ويُقتَلون) ؟! [12] فواللهِ لو كان للإنسانِ ألفُ نفسٍ تذهب نفسًا نفسًا في سبيل الله, لم يكن عظيمًا في جانب هذا الأجرِ العظيم؛ ولهذا لا يتمنَّى الشهداءُ بعد ما عايَنُوا مِن ثوابِ الله وحُسْنِ جَزائه إلا أن يُرَدُّوا إلى الدنيا حتى يُقتَلُوا في سبيلِه مَرَّةً بعد مَرَّة"! [13]

والعبرةُ الثامنة: أنَّ اليهود لا يَغتالُون الدُّعاةَ المَشهورين والخُطباءَ المُفوَّهين والباحثين والمُفكِّرين؛ ولكنَّهم يغتالون في المقامِ الأولِ المجاهدين الذين يبذُلون أرواحَهم في سبيلِ هذا الدِّين، ويسعَوْنَ إلى إحياءِ الأمةِ بالعلمِ والجهادِ، وهذا الذي صنعَه الشيخُ المجاهد أحمد ياسين؛ فقد ربَّى خيرَ الشبابَ، وثبتَ عند كلِّ مُصابٍ، ولم يُفرِّطْ في فلسطين، ولم يتدنَّسْ بأوزارِ (أُوسلو) مثل الباقين! وهل اغتيلَ الشيخ حسن البنَّا إلا لأنه أرسلَ المجاهِدين إلى فلسطين؟ وهل قَتَلُوا الشيخَ عبد الله عزام؛ إلا لأنه جَمَعَ كلمةَ المجاهدين؟ وهل يَتتبَّعون في زماننا أصحابَ القضيةِ الصادقين في أنحاءِ الأرضِ؛ إلا للقضاءِ على جذوةِ الجهادِ، مُسْتَعِينِين ببعضِ المسلمين؛ فتباًّ للخائنين الذين يَبِيعُونَ دِينَهم بدُنيا الكافرين!

والعِبرةُ التاسعةُ: أنَّ الاغتيالَ مِن الأساليبِ القديمة لليهود؛ فقد حاوَلُوا عليهم لعائن اللهِ اغتيال النبي صلى الله عليه وسلم وأطعموه الشاة المسمومة؛ حتى قال صلى الله عليه وسلم: (لا زالت أَكْلة خيبر تُعاوِدني؛ فهذا أوانُ انقطاعِ أبهري) . [14] فالواجبُ أن نحتاطَ للقياداتِ كلَّ الاحتياط، وأن نسعى في توفيرِ الحماية التامة لهم؛ وأنْ لا يشغلَنا مُصابُنا في الشيخ أحمد ياسين عن تأمينِ إخوانِه القادةِ السياسيِّين والعسكريِّين؛ فإنَّ اغتيالَ القادةِ إذا تكرَّرَ أثَّرَ على القلوبِ الضعيفة. واللهُ المستعان.

والعبرةُ العاشرة: ما قاله سيِّد قطب قبلَ أن يُقتَلَ؛ فقد أدركَ رحمه اللهُ أنَّ"الذين يُضحُّون بأرواحِهم في معركةِ الحقِّ هم عادةً أكرمُ القلوبِ، وأزْكَى الأرواحِ، وأطهرُ النفوسِ! هؤلاء الذين يُقتَلُون في سبيلِ الله ليسوا أمواتًا؛ إنهم أحياء؛ فلا يجوز أن يُقال عنهم: (أمواتٌ) ، لا يجوز أن يُعتبَرُوا أمواتًا في الحِسِّ والشعورِ، ولا أن يُقالُ عنهم: أموات بالشفة واللسان؛ إنهم (أحياءٌ) بشهادةِ اللهِ سبحانه؛ فهم لا بد (أحياء) . إنهم قُتِلُوا في ظاهرِ الأمرِ وحسبما ترى العين، ولكنَّ حقيقةَ الموتِ وحقيقةَ الحياةِ لا تُقرِّرُهما هذه النظرةُ السطحيةُ الظاهرة. إنَّ سِمَةَ الحياةِ الأولى هي الفاعِليةُ والُّنمُوُّ والامتدادُ، وسمة الموتِ الأولى هي السلبيةُ والخُمود والانقطاعُ؛ وهؤلاء الذين يُقتَلُون (في سبيلِ الله) فاعِليَّتُهم في نُصرةِ الحقِّ الذي قُتِلُوا مِن أجلِه فاعليةٌ مُؤثِّرةٌ، والفكرةُ التي مِن أجلِها قُتِلُوا تَرْتَوِي بدِمائهم وتمتدُّ، وتَأثُّرُ الباقين وراءَهم باستشهادِهم يَقْوَى ويَمتدُّ؛ فهم ما يَزالُون عُنْصُرًا فعَّالا دافِعًا مُؤثِّرًا في تكييفِ الحياةِ وتَوجِيهِها، وهذه هي صفةُ الحياةِ الأُولَى؛ فهم (أحياء) أوَّلًا بهذا الاعتبارِ الواقعي في دنيا الناس، ثم هم (أحياء عند ربهم) ". [15]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت