وصف الله سبحانه اليهود، بصفات ذميمة، ذلك بما اقترفوه من الآثام، وتحريفهم للكلم عن مواضعه، وإن من أبرز ما حملهم على الظلم والإفساد، الحسد والحرص، والحسد والحرص من أعظم ما يباعد الإنسان عن الجادة ويوقعه في المهالك ، فما أُتي آدم عليه السلام إلا من قبل الحرص قال تعالى: (فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِن سَوْءَاتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلاَّ أَن تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ(20) ) .الأعراف
وما أتي ابنه إلا من قبل الحسد ، قال سبحانه: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ(27) ) . المائدة
وقد بين الله سبحانه أن اليهود عليهم من الله ما يستحقون، من احرص الناس على الحياة فقال: ( وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ(96) ) . البقرة
فاليهود من أحرص الناس على حياة ، وحياة اسم نكرة ، يدل على عموم، أي هم أحرص الناس على أي حياة، بغض النظر أكانت حياة طيبة أم لا، المهم أنهم يعيشون، وهذا ما حملهم على البخل، قال سبحانه: (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا(53) ) . النساء
والبخل هو ما حملهم على الهوى وقتل بعضهم لبعض كما جاء في الحديث الصحيح جاء الحديث: ( إياكم والشح؛ فإنما هلك من كان قبلكم بالشح، أمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا) . رواه أبو داود والحاكم عن عبد الله بن عمر.
وأما الحسد فهو ما حملهم على تكذيب النبي صلى الله عليه وسلم، والإعراض عنه، والوقوع بشخصه الكريم، وهو ما حملهم على بُغض المؤمنين، وكراهية الخير لهم قال سبحانه: (وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(109 ) ) . البقرة
وكما أشرت فإن هاتين الصفتين الذميمتين، هما ما حمل بني إسرائيل على التباغض والتدابر ،وما تمخض عن هاتين الصفتين ما قاله الله سبحانه: (لَا يُقَاتِلُونَكُمْ جَمِيعًا إِلَّا فِي قُرًى مُّحَصَّنَةٍ أَوْ مِن وَرَاء جُدُرٍ بَأْسُهُمْ بَيْنَهُمْ شَدِيدٌ تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْقِلُونَ(14) ) الحشر
قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: (تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ) أي تراهم مجتمعين فتحسبهم مؤتلفين وهم مختلفون غاية الاختلاف قال إبراهيم النخعي يعني أهل الكتاب والمنافقين ذلك بأنهم قوم لا يعقلون . أ هـ
إذن فاليهود كونهم مجتمعين في الظاهر، متفرقين في الباطن لا يعقلون، فأنت عندما تنظر إليهم تحسب أنهم جسدًا واحدًا، وهذا بسبب ما يجمعهم من المصالح، فهم على علم ودراية بأن تفرقهم يؤدي إلى هلالكم، لذا يجتمعون حرصًا منهم على مصالحهم العامة، وإن كانوا في بواطنهم متباغضين متخالفين، فإذا كان الله سبحانه قد وصف اليهود بأنهم لا يعقلون بسبب توافقهم في الظاهر وتخالفهم في الباطن، فكيف بنا نحن المسلمين اليوم ، وقد اختلفنا ظاهرًا وباطنًا؟ أليس حالنا أشد سوء من حال اليهود، إن الله سبحانه وصف عباده المؤمنين بأن قلوبهم متآلفة فقال سبحانه: (وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ(103) ) . آل عمران