فهرس الكتاب

الصفحة 12420 من 27345

( ... وَأن تَصُومُوا خَيْرٌ لَّكُمْ ... )

وَ ( ... يُرِيدُ الله بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ .... )

بقلم الدكتور عدنان علي رضا النحوي

(( يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون . أياما معدودات فمن كان منكم مريضًا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكينٍ فمن تطوع خيرًا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون . شهر رمضان الذي أُنزِلَ فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان منكم مريضًا أو على سفرٍ فَعِدَّةٌ من أيامٍ أُخر يُرِيدُ الله بكم اليسر ولا يُرِيدُ بِكُمُ العُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّة ولِتُكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكُرُون . ) ) [ البقرة: 183-185 ]

لقد كتب الله صيام شهر رمضان على جميع الأمم على لسان أنبيائهم المرسلين ، منذ نوح عليه السلام ، على طريقة قد تختلف في بعض تفصيلاتها . فعن عبد الله بن عمر _ رضي الله عنه _ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( صيام رمضان كتبه الله على الأمم قبلكم ) . (1)

وقال الحسن البصري: (( لقد كتب الله الصيام على كل أمة قد خلت كما كتب علينا شهرًا كاملًا وأيامًا معدودات عددًا معلومًا ) ). (2)

ولا يمنع هذا أن يكون هنالك صيام آخر نافلة مثل صيام ثلاثة أيام من كل شهر ، أو صيام أيام معينة ، أو صيام كصيام داود عليه السلام .

إلا أنه وقد نصت الآية الكريمة: (( ... كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون . أياما معدودات .... ) )، وكذلك نص الحديث الشريف على ذلك ، وجاء شرح الحسن البصري ، فيكون قد تحدد معنى الصيام المفروض وهو شهر رمضان في السنة الثانية من الهجرة .

وكان المسلمون يصومون ثلاثة أيام من كل شهر أول الإسلام ، وقبل نزول هذه الآيات الكريمة . وبعد نزول هذه الآيات الكريمة مرَّ الصيام بمرحلتين كما هو واضح من الآيات . ففي المرحلة الأولى كان يباح للمسلم الذي يطيق الصيام أن يصوم أو أن يفطر ويطعم كل يوم مسكينًا: (( .. وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ... ) )ومعنى يطيقونه أي يقدرون على الصيام ، والصيام كله يحتاج إلى طاقة وقوة ، والذي يصوم قد يجد بعض الشدة التي لا يجدها أيام الإفطار . ولذلك جاء التعبير هنا ،: (( .. وعلى الذين يطيقونه ) )‍‍‍‍‍‍ وهذا ماضٍ على المقيم والمسافر والمريض . فمن أراد الصيام وكان مريضًا أو مسافرًا ، فيمكنه قضاء ذلك بعد زوال العذر ، ومن أراد أن يتطوع بإطعام أكثر من مسكين عن كل يوم ، أو يزيد في كمية الطعام لكل مسكين ، فذلك خير له ينال ثوابه عند الله: (( ومن تطوع خيرًا فهو خير له ) ). ثم خُتِمت هذه الآية المتعلقة بهذه المرحلة من جواز الصيام أو الإفطار بقوله سبحانه تعالى: (( ... وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون ) ). أي أن الصيام أفضل من الإفطار في حالة التخيير هذه . فالتفضيل هنا مرتبط بحالة التخيير التي عرضناها .

أما في المرحلة الثانية فقد رفع التخيير ولم يعد هنالك إلا حالة واحدة هي صيام شهر رمضان كله فرضا على كل مسلم:

(( ... فمن شهد منكم الشهر فليصمه .... ) ).

هذه هي القاعدة الجديدة في المرحلة الثانية من فريضة الصيام ، ثم تأتي الآية الكريمة لتضع حكم المسافر والمريض ، فجاء الحكم يطابق نصه النص السابق في المرحلة الأولى من ناحية ، ويختلف عنه من ناحية أخرى ، أما المطابقة فهي في قوله سبحانه وتعالى:

(( .... فمن كان مريضًا أو على سفرٍ فعدة من أيام أخر ... ) )

وحُذِفتْ كلمة منكم التي كانت في نص المرحلة الأولى: (( ... فمن كان منكم مريضًا .... ) )وذلك لأن كلمة منكم وردت في الجملة السابقة: (( ... فمن شهد منكم الشهر .... ) )، فلم تعد هنالك حاجة لتكرارها في الجملة اللاحقة ، لأنها أصبحت مفهومة ضمنًا ، وكأنما النص: (( فمن كان منكم مريضًا .. ) )

ثم جاءت القاعدة الثانية في هذه المرحلة الثانية وهي قوله سبحانه وتعالى: (( .... يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ... ) )

وهذه القاعدة هنا اختلفت عن القاعدة التي كانت في المرحلة الأولى ، مرحلة التخيير بين الصيام والإفطار ، حيث جاء قوله سبحانه وتعالى: (( ... وأن تصوموا خير لكم ... ) )، أي خير لكم من الإفطار المباح .

فحين كان المسلم مخيرًا بين الصيام والإفطار نصت الآية على (( ... وأن تصوموا خير لكم .. ) )، وكلاهما جائز .

وحين فُرض الصيام ولم يعد هنالك خيار ، جاءت الآية لتنص: (( .... يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر .... ) )بالنسبة للمسافر والمريض ، على أن يقضي المسافر والمريض صيام الأيام التي أفطرها بعد زوال سبب السفر أو المرض ، فلم يعد هنا إلا حالتان بالنسبة للمريض والمسافر: الصيام أو القضاء .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت