طه أحمد المراكشي
بسم الله وبه ثقتي:
تحملت إلى أختي لما علمت أنها وضعت,ونبئت أنها صارت أما,فغمرتني البهجة والإبرنشاق,وكنت إليها بالأشواق,بعد طول فراق.
فكان مني أن رأيت مخلوقا عجيبا,وآية لله باهرة ,وعلامة على جلالته وقدرته ظاهرة.
إنه والله أستاذ الأساتيذ في تعريف الناس بقدسية خالقهم,وهو والله مؤلف ضخم منفرد في بابه,فيه غنية لمن أراد الإستدلال على وجود الله ,عن المقدمات المنطقية و المناهج الفلسفية,والعلل الكلامية.
ولو أن أهل الكلام حققوا وتدبروا بأعين بصائرهم في هذا المخلوق البديع لما أنفقوا أعمارهم فيما لايشفي عليلا و لا يروي غليلا,حتى قال من هو أعلمهم بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم وقد تداركته رحمة وأسعفته يد النجدة:
نهاية إقدام العقول iiعقال
وأرواحنا في وحشة من iiجسومنا
ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... ... وغاية سعي العالمين iiضلال
وحاصل دنيانا أذى iiووبال
سوى أن جمعنا فيه:قيل وقالوا
وقال آخر وقد أدركته روح النصفة والعدل:
لعمري لقد طفت المعاهد iiكلها
فلم أرإلا واضعا كف iiحائر ... ... وسيرت طرفي بين تلك المعاهد
على ذقن أو قارعا سن iiنادم
فاسلك طريقة القران فهي أقرب وأسلم,وأوضح وأحكم.
وفي قوله تعالى"وفي أنفسكم أفلا تبصرون"هداية ويقين لمن أبصر ,وحجة تتبختر اتضاحا.
فإن الرضيع البديع قد جمع الله فيه آيات وآيات ,محكمات غير متشابهات,وإذا أنت حلقت بطائر فكرك في شخصه وهيئته,وبداعة خلقته,ثم نفذت بأفكارك الصافية إلى باطنه وما بداخله,لأيقنت أنه هدى للمتقين,ومن آثار رحمة الله رب العالمين,
فألفيته وقد انعكست في جرمه الضئيل,مقتضيات أسماء الله وصفاته التى سمى بها نفسه في كتابه,و علمها رسله إلى خلقه.ففي شهيقه وزفيره, ترى آثار اسم الله الرحيم,وفي تكوينه تبصر اسمه الحكيم,وفي حركاته وسكناته تتوسم اسمه اللطيف,وفي سمعه وبصره,وظاهره وباطنه وكل ذلك منه تقرأ اسم الله القدير الذي أحاط بكل شيئ علما,ووسعه رحمة وحلما.
فهتان عينان نضختان بالنضرة والرواء, فوارتان بالجمال والبهاء,كأنهما ياقوتتان سوداوان تساويان ملك الدنيا,لا يقدر على مثلهما إلا الله
وهاذاك ثغره -لم يثغر بعد-,ما أحسنه وما أبدعه,فإذا حانت منه ابتسامة ,طارت بها حمامة روحه فلا تستقر بها إلا في روحك.وتان شفتان سبحان الخلاق,لا ينالهما بيان خطيب صلاق,وتصاغ فيهما الأشعار.وإذا طرأت عليه سعلة فالذي أسعله الخصب والترفه.ما أكرمه ,ما أكرمه.قال سبحانه"ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"
قال علمائنا النحارير""
فحواس الإنسان أشرف من الكواكب المضيئة,والسمع والبصر منها بمنزلة الشمس والقمر في إدراك المدركات بها,وأعضاؤه تصير عند البلى ترابا من جنس الأرض,وفيه من جنس الماء العرق وسائر رطوبات البدن,ومن جنس الهواء فيه الروح والنفس,ومن جنس النار فيه المرة الصفراء.وعروقه بمنزلة الأنهار في الأرض,لأن العروق تستمد من الكبد,ومثانته بمنزلة البحر,لانصباب ما في أوعية البدن إليها كما تنصب الأنهار إلى البحر.وعظامه بمنزلة الجبال التي هي أوتاد الأرض.وأعضاؤه كالأشجار,فكما أن لكل شجر ورقا وثمرا فكذلك لكل عضو فعل أوأثر.والشعر على البدن بمنزلة النبات والحشيش على الأرض,ثم إن الإنسان يحكي بلسانه صوت كل حيوان,ويحاكي بأعضائه صنيع كل حيوان,فهو العالم الصغير مع العالم الكبير, مخلوق محدث لصانع واحد,لا إله إلا هو."اه من بارع استنباطات الإمام المفسر أبي عبد الله القرطبي.وقال بعض الحكماء"إن كل شيئ في العالم الكبير له نظير في العالم الصغير, الذي هو بدن الإنسان" ولذلك قال الله"ولقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم"و قال"وفي أنفسكم أفلا تبصرون".فاعجب عجبك -يا أخي-من هذه "المدنية"التي نسيت ربها,بل شتمت أنبيائه ورسله,واتخذتهم هزوا و تلوح لأهلها كل يوم آيات لاانتهاء لها,وعلامات لا انقضاء لها,فما تزيدهم إلا نفورا"يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الأخرة هم غافلون".وقد كانوا نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم عظاما,فكسى العظام لحما,ليعلموا أنهم لم ينقلوا أنفسهم من حال النقص إلى حال الكمال,كما أنهم لم ينقلوا أنفسهم من حال الشباب والقوة إلى حال الشيخوخة والهرم,كما ليس في وسعهم مزايلة حال المشيب ومراجعة الشباب.ليوقنوا أن لهم صانعا صنعهم وناقلا نقلهم من حال إلى حال,"أولم يتفكروا في أنفسهم",فأي شيئ يحملهم على التكذيب وقد علموا البداءة؟."ما لكم لا ترجون لله وقارا وقد خلقكم أطوارا""
قال أبو الصلت:
إن آيات ربنا باقيات ما يماري فيهن إلا الكفور
خلق الليل والنهار فكل مستبين حسابه مقدور