الجمعة 24 شوال 1397 / 7 تشرين الأول 1977
( 1 من 4 )
العلامة محمود مشّوح
(أبو طريف)
إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون ... أما بعد أيها الإخوة المؤمنون:
فنحن اليوم نواجه سورة كريمة في سياق تتبعنا لأوائل ما نزل من كتاب الله تعالى من أجل أن نتعرف على أساسيات الدعوة وقواعدها في العمل والسلوك وأساليب نشر الدعوة ، إضافة إلى ما تضمنته الآيات الكريمة منذ البداية من ترسيخ قواعد العقيدة بأسسها الثابتة .
هذه السورة هي السادسة والثلاثون في ترتيب النزول على الأشهر وما ارتضيناه في هذا الترتيب وفاقًا لما تبين لنا من شواهد ودلائل .. وهذه السورة الكريمة هي سورة القمر وهي من السور المتوسطة ، وبالرغم من أنها تدور حول المحور الذي دارت حوله سور عديدة ماضية استعرضناها وتحدثنا عنها ، فالذي يلفت النظر في هذه السورة الكريمة طعمها ومذاقها الخاص ، وقعها المميز ، في الحس والشعور والعقل جميعًا , ولئن أراد الواحد منكم ممن تتبع هذه السلسلة من الأحاديث ، ولا سيما في شوطها الأخير ، لمن أراد أن يرجع إلى أوائل السور التي اختُصت أو تميزت بالحديث عن اليوم الأخر بصورة أساسية ومقصودة فبدأ بإلقاء نظرة على سورة القارعة ، وهي سورة اختصت بوصف اليوم الآخر وما يكون من شأن الناس فيه ، دون أن تعرّج على ضرب الأمثال ولا إيراد الحجج وسوق الدلائل والبراهين ، ثم ذهب يستعرض السورة التي بعدها وهي سورة القيامة ، فيرى ما تناولته أثناء الحديث عن موضوع اليوم الآخر ، من شواهد ودلائل وبينات فأوضحت دلائل ذلك في الكون والآثار ، وأوضحت شواهد ذلك في الأنفس ، وساقت دلائل ذلك في باب الأخلاقيات وما يتعايش عليه الناس وضرورة أن لا يضيع حس العدل وقانون العدل ، وأن لا تطيش موازين العدل التي قامت به السماوات والأرض ، ثم عقب بعد ذلك على سورة الهمزة وهي التي جاءت بعد سورة القيامة ، يرى بوضوح أن موضوع القيامة واليوم الآخر حين عرضه القرآن في شوطه الأول لن تذهب أصداؤه ضائعة بين أمواج الأثير ولكنها تركت أصداءها القوية وآثارها العارمة في المجتمع الذي توّجه إليه خطاب النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم .
فإذا مضى بعد يستعرض سورة المرسلات رأى الأمر يعاد ولكن بأثواب أخرى وبأساليب جديدة ، فإذا انحدر إلى سورة قاف رأى الأمر يأخذ بُعدًا آخر أو أبعادًا أخرى ، فقبل ، كان موضوع القيامة موضوع إنكار واستنكار وكانت الأجوبة تأتي على هذا على قدر الموقف ومتطلبات الموقف ولا مزيد ، ولكننا من سورة قاف نستشف شيء آخر عرضناه قبل وتكلمنا عليه بما يسر الله وأعان ، رأينا أن موضوع القيامة يخرج ليكون تساؤلًا ضخمًا عن قدرة الله وعن علم الله تبارك وتعالى ، وإذًا فالقضية تنداح وتتسع .
فإذا جئنا بعد ذلك إلى سورة البلد وسورة الطارق وهي السورة التي عرضنا لها في الجمعة الماضية كشفنا عن شيء جديد أيضًا وهو أن الله سبحانه لن يكتفي بالرد على شبهات المشركين وبتفنيد تخرصات الكافرين وإنما تناول الإنسان ، فبيّن أنه كرم هذا الإنسان ، ومما تعارف الناس عليه وجرى بينهم كالقانون ، إن شكر المنعم واجب وإن معرفة كرم الكريم ضروري وحسن في أخلاق الناس ، وأنه تبعًا لذلك ولما أن أحدًا من خلق الله لا يدعي أنه خلق نفسه ولا يستقيم في العقل أنه خُلق من غير شيء ، من أجل ذلك كانت بداهة الحس وضرورة العقل وأوليات المنطق تقضي بأن الإنسان مخلوق من قبل قوة أخرى مفارقة ولنصطلح على أن نسميها ( الله ) فإذا كان الأمر كذلك فمن عدم الأخلاق الذي يستنكره آحاد الناس فيما بينهم في الحياة الدنيا وفيما يتهادونه من معروف أن يقف الإنسان من المنعم موقف الجحود والنكران .
فإذا نقلنا الأمر إلى موضوع الرب والعبد كانت الجريمة أكبر ، وكانت الإساءة أوغل في الشناعة والإسفاف ، وهذا طور جديد ترقى إليه السورة .. لماذا ؟ لأن الله تعالى يريد قلب الإنسان وإرادته المحررة من كل ضغط ، المبرأة من كل استكراه ، ولو أن الله تعالى شاء أن يعطف قلوب الناس جميعًا إلى الإيمان لاستطاع ذلك .. وتبارك الله ( ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعًا ) ولكن الإنسان يتفرد في هذا الكون بأنه مخلوق حر الإرادة طليق التفكير لكي يكون مؤهلًا لتحمل التبعة ومواجهة المسؤولية وهي أساس الثواب والعقاب ومناط الحساب في هذه الدنيا وعند الله في اليوم الآخر .